تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
وقيل : إنّ الجهات مؤوّلة بالقوى الأربعة المفوّتة للسّعادات الرّوحانيّة ، فالمراد من قوله :
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
القوّة الخياليّة التي تكون في البطن المقدّم من الدّماغ ، ترد عليها صور المحسوسات ، ومن قوله :
مِنْ خَلْفِهِمْ
القوّة الوهميّة التي تكون في البطن المؤخّر منه ، تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ، ومن قوله :
عَنْ أَيْمانِهِمْ
القوّة الشهويّة التي تكون في الكبد ، ومن قوله :
وَعَنْ شَمائِلِهِمْ
القوّة الغضبيّة التي تكون في البطن الأيسر من القلب . قيل : إنّ النّكتة في تخصيص الأيمان والشّمائل بكلمة ( عن ) الدّالّة على المجاوزة : أنّ الملكين الكاتبين للأعمال لمّا كانا قاعدين عن اليمين والشّمال ، لا يقرب الشّيطان منهما ، بل يتباعد عنهما . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « إنّ الشّيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام فقال له : تدع دين آبائك ، فعصاه فأسلم ، ثمّ قعد له بطريق الهجرة فقال له : تدع ديارك وتتغرّب « 1 » ، فعصاه وهاجر ، ثمّ قعد له بطريق الجهاد فقال له : تقاتل فتقتل فيقسّم مالك وتنكح امرأتك ، فعصاه فقاتل » « 2 » . روي أنّ الشّيطان لمّا قال هذا الكلام رقّت قلوب الملائكة على البشر ، فقالوا : يا إلهنا ، كيف يتخلّص الإنسان من الشّيطان ، مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع ؟ فأوحى اللّه تعالى إليهم : إنّه بقي للإنسان جهتان ؛ الفوق والتّحت ، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدّعاء على سبيل الخضوع ، أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع ، غفرت له ذنب سبعين سنة « 3 » . ثمّ أخبر اللّعين ظنّا بنتيجة حملاته ومحاصرته بني آدم بقوله :
وَلا تَجِدُ
يا ربّ
أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
لك ، مطيعين لأحكامك ، عاملين برضاك .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 18 ]

قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 ) ثمّ أنّه تعالى بعد إجهار اللّعين بمعارضته له ، ومعاندته لبني آدم ، عاتبه زجرا ومهانة و
قالَ
له طردا من الجنّة ، أو السّماوات :
اخْرُجْ مِنْها
حال كونك
مَذْؤُماً
مذموما عندي وعند ملائكتي وسائر خلقي
مَدْحُوراً
ومطرودا عن جنّتي ورحمتي ، فبعزّتي
لَمَنْ تَبِعَكَ
واقتفى خطواتك من ذريّة آدم ، وأطاعك
مِنْهُمْ
في الدّنيا ، وخالفني في أحكامي
لَأَمْلَأَنَّ
البتّة
جَهَنَّمَ
أيّها التّابع والمتبوع
مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ
لا ينجو منها أحد منكم إذا لم تتوبوا .
هامش
( 1 ) . في النسخة : وتتعرب . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 14 : 42 .