ومع ذلك
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
تلك النّعم العظام . وهو نظير قوله :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
« 1 » .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 11 إلى 13 ]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 )
ثمّ نبّه سبحانه على عدم انحصار نعمه بالتّمكين في الأرض وخلق ما يعيشون به ، بل أصل الوجود الذي هو أعظم النّعم منه تعالى ، بقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ
وأخرجناكم من العدم إلى الوجود ، مبتدئا بخلق أبيكم آدم من طين
ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
بأحسن صورة بعد خلق آدم وتصويره ونفخ الرّوح فيه .
عن الباقر عليه السّلام : « أمّا ( خلقناكم ) فنطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظما ثمّ لحما ، وأمّا ( صورناكم ) فالعين والأنف والأذنين والفم واليدين والرّجلين ، صوّر هذا ونحوه ، ثمّ جعل الدّميم « 2 » والوسيم والجسيم والطّويل والقصير ، وأشباه هذا » « 3 » .
في أمر اللّه الملائكة بالسجود لآدم
ثمّ لمّا كان خلق الإنسان من آدم عليه السّلام ، وكان إكرام الأب منّة على الأبناء ، أتبع نعمة الخلق ببيان إكرام آدم عليه السّلام بإسجاد الملائكة له بقوله :
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
جميعا :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
تكريما له ، وقيل : لمّا كان خلق نوع البشر بخلق أوّل فرد منه ، كنّى سبحانه عن خلق أبي البشر بالخطاب إلى النّوع ، وعلى أيّ تقدير
فَسَجَدُوا
كلّهم لأدم من غير ريث
إِلَّا إِبْلِيسَ
فإنّه وحده خالف أمر ربّه و
لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
لآدم ، فعاتبه جلّ جلاله ،
و
قالَ
: يا إبليس
ما مَنَعَكَ
عن طاعتي ، وأيّ شيء أجرأك على
أَلَّا تَسْجُدَ
لآدم
إِذْ أَمَرْتُكَ
مع الملائكة بالسّجود له ، وحين أوجبته عليك .
قالَ
إبليس : كيف أمرتني بالسّجود لآدم و
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
وأفضل ؟ ولا يجوز أمر الأفضل بالسّجود والتّواضع للمفضول ، أمّا فضيلتي على آدم فلأنّك
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
وهي حقيقة لطيفة مشرقة علويّة فعّالة
وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
كثيف ثقيل ، مظلم منفعل ، ومن الواضح أنّ المخلوق من الأفضل أفضل .
في عدم جواز القياس في الدين
عن ابن عبّاس أنّه قال : كانت الطّاعة أولى بإبليس من القياس ، فعصى ربّه وقاس ،
هامش
( 1 ) . سبأ : 34 / 13 .
( 2 ) . الدّمامة : قبح المنظر وصغر الجسم .
( 3 ) . تفسير القمي 1 : 224 ، تفسير الصافي 2 : 182 .