ثمّ لمّا كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يدعو النّاس إلى توحيد اللّه والاعتقاد بالمعاد ، والأشقياء منهم يسفّهونه وينسبون أخباره الغيبيّة إلى الكهانة ، ومعجزاته إلى السّحر ، ودعواه النّبوّة إلى الكذب ، وكان ذلك سببا لحزن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وتكدّر خاطره الشّريف ، سلّى سبحانه قلب حبيبه بقوله :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
من الخرافات وإساءة الأدب في شأنك ؛ فلا تحزن
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
في الواقع
وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ
على أنفسهم بالكفر ، وعليك بالإساءة والتّكذيب
بِآياتِ اللَّهِ
والمعجزات التي أجراها على يدك ولسانك
يَجْحَدُونَ
ويكذّبون ، فتكذيبهم راجع إلى اللّه لا إليك . وفيه دلالة على كمال محبوبيّته عند اللّه .
وقيل : إنّ المعنى : أنّهم لا يكذّبونك في الباطن والسّر ؛ فإنّهم معتقدون بصدقك ، ولكنّهم يكذّبونك في الظّاهر والعلانية « 1 » .
روي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمّد أصادق هو أم كاذب ؟
فإنه ليس عندنا أحد غيرنا ، فقال له : واللّه ، إنّ محمّدا لصادق ، وما كذّب قطّ ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللّواء والسّقاية والحجابة والنّبوّة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فنزلت هذه الآية « 2 » .
وروي أنّ حارث بن عامر من قريش قال : يا محمّد ، واللّه ما كذبتنا قطّ ، ولكنّا إن اتّبعناك نتخطّف من أرضنا ، فنحن لا نؤمن بك لهذا السّبب « 3 » .
وروي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لقي أبا جهل فصافحه [ أبو جهل ] ، فقيل له في ذلك ، فقال : واللّه ، إنّي لأعلم أنّه صادق ، ولكنّا متى كنّا تبعا لعبد مناف ، فأنزل اللّه الآية « 4 » .
وفي ( الكافي ) : عن الصادق عليه السّلام : « أنّه قرأ رجل على أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ،
فقال : بلى واللّه ، لقد كذّبوه أشدّ التّكذيب ، ولكنّها مخفّفة
لا يُكَذِّبُونَكَ
أي لا يأتون بباطل يكذّبون به حقّك » « 5 » .
وفي رواية أخرى ، قال : « لا يأتون بحقّ يبطلون حقّك » « 6 » .
وعن العيّاشي : عنه عليه السّلام : « أي لا يستطيعون إبطال قولك » « 7 » .
وفي ( المجمع ) : عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه أنّه كان يقرأ :
لا يُكَذِّبُونَكَ
أي « 8 » لا يأتون
هامش
( 1 و 2 و 3 ) . تفسير الرازي 12 : 205 .
( 4 ) . مجمع البيان 4 : 455 ، تفسير الصافي 2 : 116 .
( 5 ) . الكافي 8 : 200 / 241 ، تفسير الصافي 2 : 116 .
( 6 ) . تفسير القمي 1 : 196 ، تفسير الصافي 2 : 116 .
( 7 ) . تفسير العياشي 2 : 97 / 1416 ، تفسير الصافي 2 : 116 .
( 8 ) . في المصدر : كان يقرألا يُكَذِّبُونَكَويقول : إن المراد بها أنهم .