تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وعلى الثّالث سمن ، وعلى الرّابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، فقال شمعون : يا روح اللّه أمن طعام الدّنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟ فقال عيسى : ليس شيء ممّا ترون من طعام الدّنيا ، ولا من طعام الآخرة ، ولكنّه شيء افتعله اللّه بالقدرة الغالبة ، كلوا ما سألتم ، يمددكم ويرزقكم « 1 » من فضله . فقال الحواريّون : يا روح اللّه ، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى ؟ فقال عيسى عليه السّلام : يا سمكة ، أحيي بإذن اللّه تعالى ، فاضطربت السّمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها ففرقوا منها ، فقال [ عيسى ] : ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها ! ما أخوفني عليكم أن تعذّبوا ! يا سمكة ، عودي كما كنت بإذن اللّه ، فعادت السّمكة مشويّة كما كانت ، فقالوا : يا روح اللّه ، كن أوّل من يأكل منها ثمّ نأكل نحن ، فقال عيسى : معاذ اللّه أن آكل منها ، ولكن يأكل منها من سألها ، فخافوا أن يأكلوا منها ، فدعا أهل الفاقة والزّمناء والمرضى والمبتلين فقال : كلوا منها ، ولكم الهناء ولغيركم البلاء ، فأكل منها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض ومبتلى ، وكلّهم شبعان يتجشأ « 2 » .

في ذكر مسخ أصحاب المائدة

ثمّ نظر عيسى إلى السّمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السّماء ، ثمّ طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتّى توارت عنهم ، فلم يأكل يومئذ منها زمن « 3 » إلّا صحّ ، ولا مريض إلّا برئ ، ولا فقير إلّا استغنى ، ولم يزل غنيّا حتّى مات ، وندم الحواريّون ومن لم يأكل منها ، وكانت إذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصّغار والكبار يتزاحمون عليها ، فلمّا رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم ، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى ، فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتّى إذا فاء الفيئ طارت صعدا وهم ينظرون في ظلّها حتّى توارت عنهم ، وكانت تنزل غبّا يوما ويوما . فأوحى اللّه إلى عيسى عليه السّلام : اجعل مائدتي للفقراء دون الأغنياء ، فعظم ذلك على الأغنياء حتّى شكّوا وشكّكوا النّاس فيها ، فأوحى اللّه إلى عيسى عليه السّلام : إنّي شرطت على المكذّبين شرطا أنّ من كفر بعد نزولها اعذّبه عذبا لا اعذّبه أحدا من العالمين . فقال عيسى عليه السّلام : إن تعذّبهم فإنّهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا ، باتوا ليلتهم على فراشهم مع نسائهم في ديارهم ، فأصبحوا خنازير يسعون في الطّرقات والكناسات ، ويأكلون العذرة والحشوش ، فلمّا رأى النّاس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السّلام وبكوا ، وبكى على الممسوخين أهلوهم ، فعاشوا ثلاثة أيّام ثم هلكوا « 4 » . وفي ( المجمع ) : وفي تفسير أهل البيت عليهم السّلام : « كانت المائدة تنزل عليهم فيجتمعون عليها ويأكلون
هامش
( 1 ) . في المصدر : ويزدكم . ( 2 ) . تجشأت المعدة : تنفست من امتلاء . ( 3 ) . الزّمن : المبتلى بمرض مزمن طالت مدته . ( 4 ) . مجمع البيان 3 : 410 ، تفسير الصافي 2 : 98 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 454 | الشيخ محمد النهاوندي