تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
ثمّ قال الشّيخ بعد نقل الرّواية : أقول : في قوله : ( إلّا ما أحلّه اللّه لهم ) تنبيه على أنّهم يحترزون عن الشّبهات ، بل [ عن ] كلّ ما يمنعهم عن الشّهود مع اللّه . والجناح في الآية نكرة في سياق النّفي يعمّ كلّ مراتبه ، كاستحقاق العتاب « 1 » ، والسرّ فيه أنّ شكر نعم اللّه تعالى أن تصرف في طاعة اللّه سبحانه على وجهها ، فليتدبّر فيه . وعلى ما حقّقناه إن صحّ [ أنّ ] نزول [ هذه ] الآية ما ذكره القمّي وفاقا لطائفة من المفسّرين ، فمعنى الآية : أنّ الّذين كانوا يشربون الخمر قبل نزول تحريمها ، إذا كانوا بهذه المثابة من الإيمان والتّقوى والعمل الصّالح ، فلا جناح عليهم في شربها « 2 » . أقول : حمل الآية على المعنى الذي ذكره غير ممكن ، لوضوح عدم إمكان كون الجناح على شاربها قبل نزول تحريمها لقبح العقاب بلا بيان عقلا وإن لم يكونوا واجدين لأوّل مراتب التّقوى . نعم إذا كان المراد من قوله :
فِيما طَعِمُوا
جميع المأكولات والمشروبات ، يصحّ اشتراط نفي الجناح على الإطلاق ، وبجميع مراتبه بما إذا اتّقى جميع محرّماتها ومشتبهاتها ، ويكون غرضهم من أكلها القيام بالأعمال الصّالحة ، وأنّهم لا يشبعون من الطّعام وهم مطّلعون على بطون غرثى وأكباد حرّى ، بل يحسنون إليهم بالزّائد ممّا يحفظون به رمقهم وأنفسهم .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 94 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان حرمة الخمر من المشروبات ، ذكر حرمة لحم الصّيد من المأكولات على خصوص المحرّم بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ
ويمتحنكم ويختبرنّ طاعتكم وعصيانكم
بِشَيْءٍ
قليل ، وبلاء يسير بالنّسبة إلى سائر البليّات الشّاقّة العظيمة ، كبذل النّفس والمال ، ثمّ فسّر ذلك الشيء بقوله :
مِنَ الصَّيْدِ
وهو ابتلاء سهل يسير « 3 » . وقيل : إنّ المراد : بعض الصّيد ، وهو صيد البرّ « 4 » . قيل : إنّ اللّه امتحن امّة محمّد بصيد البرّ ، كما امتحن امّة موسى بصيد البحر « 5 » . أمّا كيفيّة الابتلاء فإنّه قرّبه منكم بحيث
تَنالُهُ
وتصل إليه
أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ
فيسهل عليكم أخذه وطعنه .
هامش
( 1 ) . في الصافي : العقاب . ( 2 ) . تفسير الصافي 2 : 86 . ( 3 و 4 و 5 ) . تفسير الرازي 12 : 85 .