تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
اعتقدوا من العقائد السخيفة . ثم ردّهم بقوله :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
وقدرته ورحمته واسعتان ، وخزائنه غير نافذة
يُنْفِقُ
منها
كَيْفَ يَشاءُ
ويختار على من يشاء ، يوسع تارة ويضيّق أخرى ، على حسب ما تقتضيه حكمته . فاليدان كناية عن القدرة ، والجود وإسناد البسط إليهما كناية عن غاية الجود ، حيث إنّ من له غاية الجود يعطي بيديه جميعا . ثمّ ذمّهم بازدياد كفرهم بنزول الآيات ، بقوله :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ
وهم علماؤهم ورؤساؤهم - على ما قيل « 1 » -
ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
من القرآن
طُغْياناً
على طغيانهم
وَكُفْراً
على كفرهم السّابقين . ثمّ ذكر ابتلاءهم بالعقوبات الدّنيويّة بقوله :
وَأَلْقَيْنا
وأوقعنا
بَيْنَهُمُ
وفي فرقهم
الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
المستمرّتين
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
حيث إنّهم لمّا أنكروا الحقّ وعارضوا الرّسول طلبا للرّاحة ، وحفظا للجاه والرّئاسة ، ابتلاهم اللّه بسبب اختلاف العقائد والأهواء بالمشقّات الكثيرة ، والغموم الوفيرة ، فحرموا عن نيل مقاصدهم ، وفاتتهم سعادة الدّنيا والآخرة ، ولذلك التّخالف والتّباغض بينهم
كُلَّما أَوْقَدُوا
وأشعلوا
ناراً لِلْحَرْبِ
مع الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وأثاروا فتنة بين المسلمين
أَطْفَأَهَا اللَّهُ
وأخمدها بإيقاع المنازعة والمعاداة فيهم ، فلا يتّفقون على رأي ، فيكون ذلك سببا لانصرافهم عن الحرب ، ومقهوريّتهم للمسلمين . قيل : كان اليهود في أشدّ بأس وأمنع دار ، حتّى إنّ قريشا كانت تعتضد بهم ، وكان الأوس والخزرج تتكثّر بمظاهرتهم ، فذلّوا وقهروا ، وقتل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بني قريظة ، وأجلى بني النّضير ، وغلب على خيبر وفدك ، فاستأصل اللّه شأفتهم حتّى إنّ اليوم تجد اليهود أذلّ النّاس « 2 » . ثمّ ذكر اللّه سبحانه غاية جهدهم في استخراج أنواع الحيل والمكر في تضعيف الإسلام ، مع غاية ذلّهم وضعفهم ، بقوله :
وَيَسْعَوْنَ
مع الوصف
فِي الْأَرْضِ
ليوقعوا
فَساداً
بين المسلمين . قيل : إنّهم لمّا خالفوا حكم التّوراة سلّط اللّه عليهم بخت نصّر ، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم بطرس الرّومي ، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم المجوس ، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم المسلمين .
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
في الأرض والسّاعين فيها لإثارة الفتن ، بل هو ممقوت عنده « 3 » .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 65 ]

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 414 . ( 2 ) . تفسير الصافي 2 : 50 . ( 3 ) . تفسير الرازي 12 : 45 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 407 | الشيخ محمد النهاوندي