والثالث : أنّ قوله :
وَهُمْ راكِعُونَ
لا يجوز جعله عطفا على ما تقدّم ؛ لأنّ الصّلاة قد تقدّمت ، والصّلاة مشتملة على الرّكوع ، وكانت إعادة ذلك الرّكوع تكرارا ، فوجب جعله حالا ، أي يؤتون الزّكاة حال كونهم راكعين ، وأجمعوا على أنّ إيتاء الزّكاة حال الرّكوع لم يكن إلّا في حقّ عليّ ، فكانت الآية مخصوصة به ، ودالّة على إمامته من الوجه الذي قرّرناه « 1 » .
ثمّ تجشّم المتعصّب العنود في الجواب - تعصّبا على مذهبه الباطل ، وبغضا لعليّ عليه السّلام وشيعته - بأجوبة أوهن من نسج العنكبوت ، ولمّا كان مبالغا في إطناب العبارة في الكتاب بحيث يكون نقلها مملّا ، لخّصتها ونقلت حاصل مضمونها غالبا .
قال : والجواب : أمّا حمل لفظ الوليّ على النّاصر والمتصرّف فغير جائز ، لما ثبت في الأصول من عدم جواز استعمال اللّفظ المشترك في أكثر من معنى واحد « 2 » .
أقول فيه : أنّه على تقدير التّسليم ، ليس من المشترك اللّفظي ، بل الأظهر أنّه موضوع للجامع ، وهو المتصدّي لما هو صلاح المولّى عليه ، من دفع خصومة ، والتّصرّف في نفسه وماله على الوجه الأحسن ، ولمّا كان لازم ذلك المحبّة ، قد يراد منه المحبّ ، على سبيل الكناية ، فقوله :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
« 3 » معناه : اللّه هو المتولّي لجميع أمورهم على وفق الصّلاح من نصرتهم على الأعداء ، وحفظهم من الهلاك الدّنيوي والأخروي ، وتربيتهم وتكميلهم وتنظيم أمورهم ، ثمّ رتّب على ولايته لهم ، تصدّيه لأهمّ مصالحهم من إخراجهم من الظّلمات إلى النّور ، بقوله :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ
« 4 » الآية ، كما رتّب على قوله :
أَنْتَ وَلِيُّنا
« 5 » قوله :
فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
« 6 » لوضوح أنّ المراد من الولي ليس خصوص النّاصر أو المحبّ أو المتصرّف ، لركاكة قولك : أنت ناصرنا فانصرنا ، وأنت محبّنا ، وأنت المتصرّف في أموالنا فانصرنا ، بل المراد : أنت المتولّي لما فيه خيرنا وصلاحنا ، ومن المصالح المهمّة نصرتنا على الكفّار ، فانصرنا عليهم .
ثمّ استدلّ على كون المراد من الوليّ : المحبّ والنّاصر بوجوه :
الأوّل : أنّ اللّائق - بما قبل الآية من قوله :
لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ
« 7 » ، وبما بعد الآية من قوله :
لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً
« 8 » إلى آخره - أن يكون الوليّ بمعنى المحبّ والنّاصر ، لكون لفظ الأولياء فيما قبل وفيما بعد بمعنى الأحبّاء والأنصار ، لا أئمّة متصرّفين في
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 12 : 26 .
( 2 ) . تفسير الرازي 12 : 27 .
( 3 ) . البقرة : 2 / 257 .
( 4 ) . البقرة : 2 / 257 .
( 5 ) . الأعراف : 7 / 155 .
( 6 ) . البقرة : 2 / 286 .
( 7 ) . المائدة : 5 / 51 .
( 8 ) . المائدة : 5 / 57 .