إلّا اللّه ، ولأنّها عهد اللّه كما قال سبحانه :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
« 1 » . ومن المعلوم أنّه لا يمكن أن يكون بيد غيره تعالى حتّى النبيّ .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 39 ]
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 )
ثمّ أنّه بعد إظهار الغضب على السّارق بحكمه بقطع يده ، أعلن بسعة رحمته بقوله :
فَمَنْ تابَ
من السّرّاق إلى اللّه وندم من فعله الشّنيع
مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ
على نفسه بالمعصية ، وعلى غيره بسرقة ماله
وَأَصْلَحَ
نيّته في التّوبة ، وعمله بردّ المال
فَإِنَّ اللَّهَ
بسعة رحمته
يَتُوبُ عَلَيْهِ
ويعفو عنه ، فلا يعذّبه بالقطع في الدّنيا وبالنّار في الآخرة إذا كانت توبته قبل الظّفر ، وبالنّار فقط إن كانت بعده
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
بالتّائبين من المؤمنين .
في ( الكافي ) : عن أحدهما عليهما السّلام ، في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى ، فلم يعلم ذلك منه ، ولم يؤخذ حتّى تاب وصلح ، [ فقال : « إذا صلح ] وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ » « 2 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له ، فإذا رفع إلى الإمام قطعه ، فإن قال الذي سرق منه : أنا أهب له ؛ لم يدعه الإمام حتّى يقطعه إذا رفعه إليه ، وإنّما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام ، وذلك قول اللّه :
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
« 3 » ، فإذا انتهى الحدّ إلى الإمام فليس لأحد أن يتركه » « 4 » .
وعنه عليه السّلام ، أنّه سئل عن الرّجل يأخذ اللّصّ يرفعه أو يتركه ؟ فقال : « إنّ صفوان بن اميّة كان مضطجعا في المسجد الحرام ، فوضع رداءه وخرج يهريق الماء ، فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه ، فقال : من ذهب بردائي ؟ فذهب يطلبه ، فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فقال [ النبيّ ] : اقطعوا يده ، فقال صفوان : تقطع يده من أجل ردائي يا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، قال : فإنّي أهبه له ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : فهلّا كان هذا قبل أن ترفعه إليّ » قيل : فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه ؟ قال : « نعم » « 5 » .
أقول : لأجل تلك الرّوايات ذهب أصحابنا إلى اشتراط القطع بمطالبة المسروق منه ، ورفعه السّارق إلى الإمام ، فإن عفا عنه قبل الرّفع سقط الحدّ . وقد ادّعى بعض الأصحاب عدم الخلاف فيه .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 40 ]
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 )
هامش
( 1 ) . البقرة : 2 / 124 .
( 2 ) . الكافي 7 : 250 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 35 .
( 3 ) . التوبة : 9 / 112 .
( 4 ) . الكافي 7 : 251 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 35 .
( 5 ) . الكافي 7 : 251 / 2 ، تفسير الصافي 2 : 35 .