تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ثمّ أنّه تعالى بعد إرعاب النّاس بعظمته وقدرته ، وبعثهم إلى يوم الجزاء ، ونفي الرّيب فيه ، ردع المؤمنين عن موادّة المنافقين ، وعن الرّيب في كفرهم ، بقوله :
فَما لَكُمْ
اختلفتم
فِي
كفر
الْمُنافِقِينَ
بعد ظهوره ، وتفرّقتم فيه
فِئَتَيْنِ
وفرقتين . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : أنّها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكّة ، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين ، فاختلف المسلمون في كفرهم وإسلامهم وتشاجروا فيه « 1 » . وعن عكرمة : أنّها نزلت في قوم ضلّوا ، وأخذوا أموال المسلمين وانطلقوا بها إلى اليمامة ، فاختلف المسلمون فيهم « 2 » . وقيل : إنّها نزلت في قوم قدموا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مسلمين ، فأقاموا بالمدينة ما شاء اللّه ، ثمّ قالوا : يا رسول اللّه ، نريد أن نخرج إلى الصّحراء ، فأذن لنا فيه ، فأذن لهم ، فلمّا خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتّى لحقوا بالمشركين ، فتكلّم المؤمنون فيهم فقال بعضهم : لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما صبرنا ، وقال قوم : هم مسلمون ، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر حتّى يظهر لنا أمرهم « 3 » . فبيّن اللّه تعالى نفاقهم بقوله :
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ
وردّهم إلى أحكام الكفر ، من الذّل والصّغار ، والقتل والسّبي
بِما كَسَبُوا
من إظهار الارتداد . ثمّ لمّا كان المؤمنون يتمنّون إيمان المنافقين ويحتالون فيه ، قطع اللّه طمعهم في إيمانهم ، بقوله :
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا
إلى الحقّ وطريق الجنّة
مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
وخذله
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
عن الهدى ، وخذله
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
إلى الإيمان ، وطريقا إلى الجنان .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 89 ]

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 ) ثمّ بالغ سبحانه في صرف قلوب المؤمنين عن موالاتهم بقوله :
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ
وتمنّوا أن ترتدّوا إلى الكفر
كَما كَفَرُوا
وارتدّوا عن الإسلام
فَتَكُونُونَ
أنتم وهم
سَواءً
في الكفر ، فلمّا علمتم أنّهم طالبون هلاككم الأبدي
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ
لأنفسكم
أَوْلِياءَ
ولا ترضوا بهم لكم
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 10 : 218 . ( 2 ) . تفسير الرازي 10 : 219 . ( 3 ) . تفسير الرازي 10 : 218 .