المسلمين .
وأمّا الوجه الإوّل الذي ذكره - ردّا على قول أصحابنا - من أنّ وجوب طاعة المعصوم مشروط بمعرفته ، والوجوب في الآية مطلق .
ففيه : أنّ المعرفة شرط عقليّ لتنجّز التّكليف ، لا شرط شرعيّ موجب لتقييد التّكليف بإطاعة اولي الأمر ؛ كتقييد وجوب الحجّ بالاستطاعة . وليس إشراط هذا التّكليف إلّا كإشراط التّكليف بالإيمان بالرّسول بمعرفته ، والتّكليف بالصّلاة والصّوم والحجّ وغيرها من العبادات بمعرفتها . ومن المعلوم أنّ هذا الشّرط يجب تحصيله كما يجب تحصيل الطّهارة المائيّة للعمل المشروط بها ، وكمعرفة الإجماع على مذهبه السّخيف .
وبهذا يظهر الجواب عن الوجه الثاني « 1 » من قوله : ( إنّ الأمر بطاعة الرّسول وطاعة اولي الأمر في لفظة . . . ) إلى آخره .
فإنّ معرفة اولي الأمر إن كان شرطا في وجوب طاعة اولي الأمر ، كان معرفة اللّه ومعرفة رسوله شرطا في وجوب طاعتهما أيضا ، وإن لم يكن شرطا في وجوب طاعتهما ، لم يكن شرطا في وجوب طاعتهم .
فإنّ قيل : إنّ الخطاب في الآية للمؤمنين ، فهم كانوا عارفين باللّه ورسوله ، فإيجاب طاعتهما بالنّسبة إليهم مطلق ، بخلاف وجوب طاعة اولي الأمر الّذين لم يكونوا عارفين بهم .
قلنا : وجود الشّرط لا يوجب انقلاب الواجب المشروط إلى المطلق ، بل الواجب المشروط مشروط أبدا [ سواء أ ] كان الشّرط حاصلا أو غير حاصل ، والواجب المطلق مطلق أبدا .
وأمّا الوجه الثّالث من أنّه لو كان المراد من أولي الأمر المعصوم ، لقال : ( فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الإمام ) ، ولم يقل :
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
. ففاسد جدّا ؛ لأنّه فرق واضح بين أوامر الإمام وأحكامه في المشاجرات ؛ فإنّ أوامره قد تكون بملاك المصالح التي يراها في تنظيم المملكة الإسلاميّة وتجهيز الجيش والتّدبير في الغلبة على الأعداء ، ولا يكون في تلك الأوامر واسطة في التّبليغ ، بل الأمر أمره ، ولذا أمر اللّه بطاعته كما أمر بطاعة الرّسول ، بخلاف أحكامه فإنّها لا تكون إلّا أحكام اللّه ورسوله ، ففي الحقيقة يكون مبلّغا عن الرّسول ، كما أنّ الرّسول مبلّغ عن اللّه ، فإطاعته إطاعة الرّسول ، والردّ إليه ردّ إلى الرّسول ، ولذا اقتصر اللّه سبحانه في الآية - في صورة التّنازع في
هامش
( 1 ) . لا يزال المصنف في معرض الردّ على الوجه الأول ، والعبارة التي ذكرها هنا هي من الوجه الأول لا من الثاني الذي ذكره أولا وأغفله هنا .