ثمّ أنّه تعالى علّل ردعه عن صرف أموال اليتامى والانتفاع بها بجميع الوجوه ، بقوله :
إِنَّهُ كانَ
عند اللّه
حُوباً كَبِيراً
وإثما عظيما ، فيعاقب عليه عقابا شديدا .
روي أنّها نزلت في رجل من غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلمّا بلغ طلب المال فمنعه عمّه ، فتراجعا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فنزلت هذه الآية ، فلمّا سمعها العمّ قال : أطعنا اللّه وأطعنا الرّسول ، نعوذ باللّه من الحوب الكبير ، ودفع إليه ماله ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « ومن يوق شّحّ نفسه ، ويطع ربّه هكذا ، فإنّه يحلّ داره ، أي جنّته » فلمّا قبض الصّبيّ ماله أنفقه في سبيل اللّه ، فقال عليه السّلام : « ثبت أجر الغلام « 1 » ، وبقي الوزر على والده » « 2 » .
أقول : في نهيه تعالى عن أكل مال اليتيم مختلطا بمال نفسه ، بعد النّهي عن مطلق التّصرّف والتّبديل فيه ، اشعار بأنّ أكل مال اليتيم لدى اليسار أقبح وأشنع ، وأمّا النّهي عن التّبديل - بناء على التّفسير الأوّل - فهو مخصوص بما لم يكن فيه الغبطة لليتيم .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 3 ]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا ( 3 )
ثمّ لمّا كان تولّي أمر اليتيم وحفظ ماله في الأغلب لازما لكفالته وعشرته ، ومن المعلوم أنّ للصغير غالبا اقتراحات على من هو في حجره وتربيتة ، وكثيرا ما لا يجوز أو لا يمكن موافقته في مراداته ومسؤولاته ، ولا يهتدي الرّجال إلى الحيل في صرفه عنها وترضية خاطره ، سيّما إذا كان لجوجا ، سيّء الخلق ، فحينئذ قد لا يحلم الوليّ أو القيّم فيبتلي بضربه وشتمه والتّعدّي عليه ، مع أن من حقوق الأيتام المداراة معهم ، فعلم اللّه كافليهم بطريق الأمن من إيذائهم وظلمهم ؛ بقوله :
وَإِنْ خِفْتُمْ
بسبب قلّة الحلم ، وضيق الصّدر
أَلَّا تُقْسِطُوا
ولا تعدلوا
فِي
شأن
الْيَتامى
الّذين تلون أمورهم ، وتتكفّلون تربيتهم
فَانْكِحُوا
وتزّوجوا
ما طابَ لَكُمْ
ومن يوافق ميل قلوبكم
مِنَ النِّساءِ
فإنّ شأنهنّ حضانة الأطفال ، والرّفق بهم ، والمداواة معهم « 3 » ، والتّدبير في رضايتهم ، وإعمال الحيل في صرفهم عن أقتراحاتهم ، وإسكاتهم عن البكاء بأفعال مضحكة ، وأصوات هائلة ، ونغمات ملهية ، وكلمات لاغية .
هامش
( 1 ) . في تفسير الرازي : « ثبت الأجر وبقي الوزر » فقالوا : يا رسول اللّه ، لقد عرفنا أنه ثبت الأجر ، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل اللّه ؟ فقال : ثبت أجر الغلام . . .
( 2 ) . تفسير الرازي 9 : 169 .
( 3 ) . كذا ، والظاهر : مداراتهم .