تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وتقديمه « 1 » على قوله :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
من الكتابين ، في الذّكر - مع أنّ الأمر في الوجود بالعكس - للإشعار بأشرفيّة الإيمان بالأول من الثّاني ، وأنّ الإيمان بالكتابين متوقّف على ثبوتهما بالقرآن ، لانقطاع التّواتر عنهما ، وثبوت التّحريف فيهما ، حسب ما حقّق في محلّه ، فلو لم يكن إخبار القرآن بكونهما من عند اللّه لم يكن طريق إلى الإيمان بهما . ثمّ وصفهم اللّه بكونهم
خاشِعِينَ
متواضعين
لِلَّهِ
خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه ، أو تعظيما له ، وبكونهم
لا يَشْتَرُونَ
ولا يستدلون
بِآياتِ اللَّهِ
المنزلة في الكتابين
ثَمَناً قَلِيلًا
وعوضا يسيرا ، ولا يحرّفونهما ، ولا يكتمون ما فيهما من شواهد نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله استجلابا لحطام الدّنيا ، وحفظا لرئاستهم ، كما هو دأب من لم يسلم من أحبارهم وقسّيسيهم
أُولئِكَ
المتّصفون بهذه الصّفات الكريمة الفائقة
لَهُمْ أَجْرُهُمْ
العظيم الموعود ، وثوابهم المذخور
عِنْدَ رَبِّهِمْ
اللّطيف بهم ، يصل إليهم في الآخرة بلا تأخير ولا تسويف ، بسبب طول الحساب
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
لسعة علمه بجميع الأشياء ، فلا حاجة له في تعيين جزاء العاملين إلى فكر ووعي صدر ، ومدّة وتحقيق وكتب ، فيكون أجر كلّ أحد سريع الوصول إليه . عن ابن عبّاس : أنّها نزلت في النّجاشي ، فإنّه لمّا مات نعاه جبرئيل للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقال صلّى اللّه عليه وآله لأصحابه : « اخرجوا فصلّوا على أخ لكم مات بغير أرضكم » ، فخرج إلى البقيع ، ونظر إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النّجاشي ، وصلّى عليه واستغفر له ، فقال المنافقون : انظروا إلى هذا ، يصلّي على علج « 2 » نصراني لم يره قطّ ، وليس على دينه ، فنزلت « 3 » . وقيل : نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران ، وآثنين وثلاثين رجلا من الحبشة ، وثمانية من الرّوم ، كانوا على دين عيسى عليه السّلام فأسلموا « 4 » . وقال بعض : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلّهم ( 5 ) .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 200 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) ثمّ أنّه تعالى لمّا ذكر في السّورة المباركة كثيرا من الأصول كالتوحيد والعدل والنّبوّة والمعاد ، وكثيرا من الفروع كالحجّ والجهاد وغيرهما ، ختمها ببيان ما يوجب المحافظة عليها ، والقيام بالعمل بها ،
هامش
( 1 ) . أي تقديم قوله تعالى :ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْعلى قوله تعالى :وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ. ( 2 ) . العلج : الكافر من العجم . ( 3 و 4 ) . مجمع البيان 2 : 916 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 159 | الشيخ محمد النهاوندي