تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
جوده
حُسْنُ الثَّوابِ
وأكمل الجزاء على طاعته ، لا يعادله ثواب ، ولا يشابهه جزاء . قيل : في تصدير الوعد الكريم بعدم الإضاعة ، ثمّ تعقيبه بهذا الإحسان الجسيم الذي لا يقادر قدره من لطف المسلك المنبئ من عظم شأن المحسن ما لا يخفى . ثمّ أنّ ظاهر الآية وإن كان ثبوت هذا الأجر العظيم للّذين اجتمعت لهم جميع هذه الأمور من الهجرة ، والإخراج من الأوطان ، والإيذاء ، والمقاتلة والقتل ، ولكن يحتمل أن يكون لمن له أحدها ، ويؤيّده سعة رحمة اللّه وفضله . عن ( الأمالي ) : أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا هاجر من مكّة إلى المدينة ليلحق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ؛ وقد قارع الفرسان من قريش ، ومعه فاطمة بنت أسد وفاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وفاطمة بنت الزّبير ، فسار ظاهرا قاهرا حتّى نزل ضجنان « 1 » فتلوّم بها يوما وليلة ، ولحق به نفر من ضعفاء المؤمنين ، وفيهم امّ أيمن مولاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان يصلّي ليلته تلك هو والفواطم ويذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، فلن يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر ، فصلّى بهم صلاة الفجر ، ثمّ سار لوجهه . فجعل هو وهنّ يصنعون ذلك منزلا بعد منزل ، يعبدون اللّه عزّ وجلّ ويرغبون إليه كذلك حتّى قدموا المدينة ، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً
« 2 » الآيات ، إلى قوله :
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
الذّكر : علىّ عليه السّلام ، والأنثى : الفواطم
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
يعني : عليّ من فاطمة ، أو قال : من الفواطم ، وهنّ من عليّ « 3 » . وعن القمّي رحمه اللّه :
فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
يعني : أبا ذرّ حين اخرج وعمّار اللذين اوذوا في سبيل اللّه « 4 » . أقول : الظّاهر أنّ الرّواية بيان لأظهر مصاديق الآية وأكملها ، لا أنّها تفسير لها ، بل هي عامّة لكلّ من اتّصف بتلك الصّفات .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 196 إلى 197 ]

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( 196 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 197 ) ثمّ لمّا وعد اللّه سبحانه الثّواب العظيم على الإيمان والهجرة ، وكان المهاجرون في شدّة الفقر والفاقة ، صاروا معرضا للطّعن بأنّه لو كان لهم منزلة عند اللّه لأعطاهم من الدّنيا ما يعيشون به في
هامش
( 1 ) . ضجنان : جبل على بريد من مكة . ( 2 ) . آل عمران 3 / 191 . ( 3 ) . أمالي الصدوق : 471 / 1031 ، تفسير الصافي 1 : 379 . ( 4 ) . تفسير القمي 1 : 129 ، تفسير الصافي 1 : 379 .