تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
الرّاحة ، فدفع اللّه ذلك الطّعن ، وسلّى قلوب المؤمنين مخاطبا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله تشريفا له ، وإيذانا بكونه المسلّي عن اللّه والمبلّغ ، بقوله :
لا يَغُرَّنَّكَ
ولا يلقينّك في اعتقاد خلاف الواقع - وقيل : إنّ الخطاب لكلّ أحد -
تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ
وتصرّفهم في المكاسب والمتاجر ، وتبسّطهم في المعيشة ، والمؤمنون في شدّة الفاقة - أو المراد : سيرهم في الأرض آمنين ، والمؤمنون في خوف - أنّ للكفّار منزلة عند اللّه دون المؤمنين ، فإنّ الغنى أو الأمن الذي يكون للكفّار
مَتاعٌ قَلِيلٌ
في الدّنيا ، وانتفاع يسير فيها ، يزول بسرعة ولو كانت مدّته طويلة ، لوضوح أنّ أمد الدّنيا - بالنّسبة إلى طول مدّة الآخرة - أقلّ من دقيقة بالإضافة إلى أضعاف عمر الدّنيا ، وأنّه لا قدر لنعمها في جنب أقلّ قليل من نعم الآخرة . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « ما الدّنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ ، فلينظر ما « 1 » يرجع ! » « 2 » .
ثُمَّ
بعد انقضاء أجلهم يكون
مَأْواهُمْ
ومنزلهم إلى الأبد
جَهَنَّمُ
يصلونها
وَبِئْسَ الْمِهادُ
تلك جهنم ، وساء ما مهّدوا وهيئوا لأنفسهم من النّار بسبب كفرهم باللّه ، وحبّهم للدّنيا . قيل : إنّ مشركي مكّة كانوا يتّجرون ويتنعّمون ، وإنّ بعض المسلمين كانوا يرونهم في رخاء ولين عيش فيقولون : [ إنّ ] أعداء اللّه في ما نرى من الخير ، وقد هلكنا من الجوع والجهد ، فنزلت « 3 » . وقيل : إنّ اليهود كانت تضرب في الأرض فتصيب الأموال ، فنزلت « 4 » ، فبيّن اللّه تعالى أنّ الدّنيا مع قلّتها وخساستها مورثة للعذاب الدّائم . ومن الواضح أنّ النّعمة القليلة لا تعدّ نعمة إذا كانت مستتبعة للمضرّة الشّديدة ، بل يجب على العاقل أن يتحرّز منها ، ويفرّ عنها .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 198 ]

لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ( 198 ) ثمّ أتبع اللّه سبحانه وعيد الكفّار المنهمكين في حبّ الدّنيا بوعد المؤمنين المهتمّين بأمور الآخرة ، بالثّواب العظيم ، وبيّن حسن حالهم فيها ، غبّ « 5 » بيان كرّر ذكره إثر ما قرّر ، مع زيادة بيان خلودهم في الجنّات العالية والنّعم الباقية ، ليتمّ بذلك سرورهم ، ويتزايد به إيضاح سوء حال مخالفيهم ، بقوله :
لكِنِ
المؤمنون
الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
وخافوا من عصيان مليكهم ، واحترزوا عن الإشراك به
هامش
( 1 ) . في تفسير أبي السعود : بم . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 2 : 135 . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 9 : 152 . ( 5 ) . الغبّ : بمعنى بعد .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 157 | الشيخ محمد النهاوندي