تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
من نسلنا المرابط ، ومن نسله المرابط » « 1 » . انتهى . والظّاهر أنّ المراد : المرابطة في زمان القائم المنتظر صلوات اللّه عليه . ثمّ - لمّا كان الإقدام على تلك المشقّات ، والتّحمّل لهذه المرارات شديدا على النّفس ، محتاجا إلى قوّة الدّاعي - ذكر اللّه تعالى أقوى الدّواعي ، وهو التّقوى والخوف من اللّه ، بقوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
وخافوه في مخالفة أوامره وأحكامه
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وكي تفوزوا بأعلى المقاصد من النّجاة من النّار ، والتّنعّم والرّاحة في دار القرار . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ألا أدلّكم على ما يمحو اللّه به الخطايا ، ويرفع به الدّرجات ؟ » . قالوا : بلى يا رسول اللّه ، قال : « إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة ، فذلكم الرّباط » « 2 » . ونقل عن أصحاب التذكير أنّهم قالوا : إنّ المراد من الآية المباركة : اصبروا عند قيام اليقين على احتمال الكرب ، وصابروا على مقاساة العناء والتّعب ، ورابطوا في ديار أعدائي بلا هرب ، واتّقوا اللّه في الالتفات إلى السّبب ، لعلّكم تفلحون غدا بلقائي على نشاط وطرب . وقال السرقسطي : اصبروا على الدّنيا رجاء السّلامة ، وصابروا عند لقاء أعدائي بالثّبات والاستقامة ، ورابطوا هوى النّفس اللّوامة ، واتّقوا ما يعقب النّدامة ، لعلّكم تفلحون غدا على بساط الكرامة . وقيل : اصبروا على النّعماء ، وصابروا على البأساء والضّرّاء ، ورابطوا في دار الأعداء ، واتّقوا إله الأرض والسّماء ، لعلّكم تفلحون في دار البقاء . وقيل : اصبروا على مضض الطّاعات ، وصابروا على رفض العادات ، ورابطوا السّرّ على جناب واهب العطيّات ، واتّقوا اللّه بالتبرّي ممّا سواه من الكائنات ، لعلّكم تفلحون في الدّنيا بأعلى المقامات ، وفي الآخرة بأرفع الدّرجات . أقول : اعلم أنّ القلب الإنساني إذا زكا بالرّياضة - من الصّبر على الطّاعة ، وترك اتّباع الهوى ، وقطع علاقة الدّنيا ، والمصابرة على البأساء والضّرّاء ، والثّبات في مكايدة الأعداء ، وتحمّل الشّدائد في سبيل اللّه وفي تحصيل رضاه - ونقي عن النّفاق وخبائث الأخلاق ، وطهر عن دنس الشّهوات بالتّقوى ، يفاض عليه أوّلا خواطر الخير ، ونور الهداية إلى حقائق الأمور من خزائن الملكوت وعالم الجبروت ، فيصرف عقله إلى التّفكّر في ما فيه خيره وصلاحه ، وما به كمال نفسه ، والقرب إلى رحمة ربّه ، والنّظر في مقدّماته ومحصّلاته ، فعند ذلك يطّلع على أسرار الطّاعات ، وينكشف له بنور البصيرة حقائق
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 2 : 23 ، تفسير الصافي 1 : 380 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 157 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 161 | الشيخ محمد النهاوندي