تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
شأنه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 180 ]

وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 ) ثمّ - لمّا كان من دأب اللّه تعالى في كتابه العزيز أنّه كلّما أمر بالجهاد أردفه بالحثّ على إنفاق المال ، لكمال الارتباط بينهما ، وتوقّف الحرب على المال ، وقد بالغ سبحانه في الآيات السّابقة في التّحريض على بذل النّفس في الجهاد ، وفي دفع توهّم أنّ الحياة خير منه - شرع في الحثّ على بذل المال ، والرّدع من توهّم أنّ البخل ومنع حقوق اللّه خير منه ، بقوله :
وَلا يَحْسَبَنَّ
المؤثرون
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
ووهب لهم من الثّروة والمال
مِنْ فَضْلِهِ
وإحسانه من غير أن يكون لهم مدخل فيه واستحقاق ، البخل بما وجدوه من المال
هُوَ خَيْراً
وأنفع
لَهُمْ
من صرفه في سبيل اللّه ، فإنّه حسبان باطل ؛ لأنّه ليس في البخل وجمع المال ومنع حقوق اللّه خير أصلا
بَلْ هُوَ شَرٌّ
محض
لَهُمْ
لأنّه موجب لابتلائهم بأشدّ العقوبات ، حيث إنّهم
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ
وسيجعل ذلك المال - الذي امتنعوا من إنفاقه في سبيل اللّه حبّا له وشحّا عليه - طوقا في عنقهم
يَوْمَ الْقِيامَةِ
. عن ( الكافي ) : عن الباقر والصادق عليهما السّلام ، قالا : « ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ، ينهش من لحمه ، حتّى يفرغ من الحساب ، وهو قول اللّه :
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
يعني ما بخلوا به من الزّكاة » « 1 » . وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : تجعل تلك الزّكاة الممنوعة في عنقهم كهيئة الطّوق ، شجاعا « 2 » ذا زبيبتين « 3 » يلدغ بهما خدّيه ، ويقول : أنّا الزّكاة [ التي ] بخلت في الدّنيا بي « 4 » . أقول : ظاهر الرّوايتين أنّ عين مال الزّكاة بصورتها الواقعيّة البرزخيّة يصير طوقا في عنق البخيل . وقيل : المراد : سيطوّقون وبال ما بخلوا به . ويؤيّده ما روي عن الصادق عليه السّلام ، قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ما من ذي زكاة مال ، نخل أو زرع أو كرم [ يمنع زكاة ماله ] ، إلّا قلّده اللّه تربة أرضه يطوّق بها من سبع أرضين إلى يوم القيامة » « 5 » .
هامش
( 1 ) . الكافي 3 : 502 / 1 و : 504 / 10 ، تفسير الصافي 1 : 373 . ( 2 ) . الشّجاع : الحيّة . ( 3 ) . الزّبيبتان : نقطتان سوداوان فوق عيني الحيّة والكلب . ( 4 ) . تفسير الرازي 9 : 114 . ( 5 ) . الكافي 3 : 503 / 4 ، تفسير الصافي 1 : 373 .