تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
ويخسرون بصفقتهم خسرانا مبينا
وَلَهُمْ
في الآخرة
عَذابٌ أَلِيمٌ
. قيل : لمّا كانت العادة باغتباط المشتري بما اشتراه ، وسروره بتحصيله عند كون الصّفقة رابحة ، وبتألّمه عند كونها خاسرة ، وصف اللّه عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 178 ]

وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) ثمّ لمّا كان تخلّف من تخلّف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بتوهّم أن البقاء في الدّنيا خير من القتل في سبيل اللّه ، وأنّ حياتهم وطول تعيّشهم أنفع من شهادة شهداء أحد ، أبطل اللّه ذلك التّوهّم بقوله :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وتخلّفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حبّا للحياة ، ولم يطيعوه في الخروج إلى الجهاد
أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ
ونطيل في أعمارهم في الدّنيا ، وتعيّشهم فيها . قيل : إنّ ( ما ) موصولة ، وقيل : مصدرية . وعليه يكون المعنى لا يتوهّمون أنّ إمهالهم في الدّنيا وإبقاءهم فيها
خَيْرٌ
وأصلح
لِأَنْفُسِهِمْ
ولا تسرّ قلوبهم بطول عيشهم فيها ، لأنّ إمهالنا إيّاهم ليس بداعي الإحسان إليهم ، بل
أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ
ونطيل أعمارهم
لِيَزْدادُوا
بازدياد خبثهم في كلّ آن من الآنات
إِثْماً
على آثامهم من الاستمرار على الكفر والطّغيان ، واشتداد بغضهم للحقّ ، وجدّهم في محق الدّين ومحو آثاره
وَلَهُمْ
خاصّة بتلك الآثام في الآخرة
عَذابٌ مُهِينٌ
لهم زائدا على ما في عذاب غيرهم من المهانة والذّل . قيل : إنّما وصف سبحانه عذابهم بالوصف لأنّه كان غرضهم من البقاء في الدّنيا التّعزّز والتّكبّر فيها ، والتّمتّع بطيّباتها وزينتها . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « خير النّاس من طال عمره وحسن عمله ، وشرّ النّاس من طال عمره وساء عمله » « 1 » . وعن العيّاشي : عن الباقر عليه السّلام أنّه سئل عن الكافر ، الموت خير له أم الحياة ؟ فقال : « الموت خير للمؤمن والكافر ؛ لأنّ اللّه يقول :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
« 2 » ، ويقول :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ »
« 3 » . روي أنّه قال اللّه تعالى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليلة المعراج : « إنّ من نعمي على أمتك أنّي قصّرت أعمارهم كي لا تكثر ذنوبهم ، وأقللت أموالهم كي لا يشتدّ في القيامة حسابهم » « 4 » .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 130 . ( 2 ) . آل عمران 3 : 198 . ( 3 ) . تفسير العيّاشي 1 : 351 / 812 ، تفسير الصافي 1 : 372 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 130 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 136 | الشيخ محمد النهاوندي