[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 182 ]
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 )
ثمّ نبّههم بأنّه حقّ عليكم
ذلِكَ
العذاب الشّديد الدّائم ، وصرتم مستحقّين له جزاء
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
وبما عملت جوارحكم في الدّنيا من قتل الأنبياء ، وهتك الحرمات ، وإخافة الأولياء ، والتّفوّه بمثل هذا القول الشّنيع ، والتّجرّي على اللّه باقتراف المعاصي .
وَ
اعلموا
أَنَّ اللَّهَ
حكيم ، عدل
لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
وليس بمعذّب بغير ذنب ، لتنافي الحكمة والعدل مع الظّلم والإيلام بغير الاستحقاق ، حيث إنّ مقتضى الحكمة وضع الشّيء في ما وضع له ، ومقتضى العدل إعطاء كلّ شيء ما يستحقّه ، وهما مع الظّلم - الذي هو التّعذيب من غير أهليّة واستحقاق - متضادّان .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 183 ]
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 )
ثمّ أنّه تعالى بعد تهديد اليهود على قولهم الذي فيه هتك حرمته وحرمة كتابه ، هدّدهم على قولهم الآخر الذي فيه إبطال رسالة رسوله ، بقوله :
الَّذِينَ قالُوا ،
قيل : التّقدير : لقد سمع اللّه أيضا قول اليهود الّذين قالوا إبطالا لدعوى الرّسول ، واعتذارا من عدم الإيمان به ، مع مشاهدتهم المعجزات الباهرات ، واستماعهم الآيات النّيّرات :
إِنَّ اللَّهَ
بتوسّط أنبيائه
عَهِدَ إِلَيْنا
وأخذ الميثاق الأكيد منّا
أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ
من الرّسل ، ولا نصدّق دعوى أحد منهم
حَتَّى يَأْتِيَنا
مدّعي الرّسالة
بِقُرْبانٍ
وتفدية للّه ، وصدقة مال يجعله له ويتقرّب إليه ، فيتقبّله اللّه منه ، و
تَأْكُلُهُ
وتحرقه
النَّارُ
وكان ذلك علامة القبول ، ودليل صدقه ، كما كان عليه أمر أنبياء بني إسرائيل .
عن عطاء ، أنّه قال : كان بنو إسرائيل يذبحون للّه ، فيأخذون الثّروب وأطايب اللّحم فيضعونها في وسط بيت والسّقف مكشوف ، فيقوم النبيّ في البيت ويناجي ربّه ، وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت ، فتنزل نار بيضاء لها دويّ خفيف ولا دخان لها ، فتأكل ذلك القربان « 1 » .
وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه ، قال : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوب « 2 » ، وفنحاص بن عازوراء ، وغيرهم ، أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقالوا : يا محمّد ، تزعم أنّك رسول اللّه ، وأنّه تعالى أنزل عليك كتابا ، وقد عهد اللّه إلينا في التّوراة أن لا
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 121 .
( 2 ) . في النسخة : التاوبوت .