تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الأحوال ، مطّلعين على هذه الدّلائل ، فكان إيمانهم مع مشاهدة الأحوال أسهل ممّا إذا لم يشاهدوها ، ولم يطّلعوا عليها « 1 » . وروي عن أبي طالب رضوان اللّه عليه أنّه قال في خطبته ، عند تزويج خديجة : ثمّ إنّ ابن أخي هذا محمّد بن عبد اللّه ، من لا يوزن به فتى من قريش إلّا رجح به ، وهو واللّه له نبأ « 2 » عظيم « 3 » . ثمّ بيّن اللّه سبحانه أعظم فوائد بعثته من تكميل قوّتي العلميّة والعمليّة فيهم ، بقوله :
يَتْلُوا
ويقرأ
عَلَيْهِمْ
أوّلا ، لإثبات صدق دعوته ، وكونه مبعوثا من جانب اللّه
آياتِهِ
القرآنيّة المشتملة على علوم كثيرة ، مع إعجاز البيان الدّالّ على كونها ممّا أوحي إليه بعدما كانوا جهّالا لم يسمعوا الوحي ،
وَ
بعد ذلك
يُزَكِّيهِمْ
ويطهّرهم من أدناس العقائد الفاسدة ، والأهواء الزّائغة ، والأرجاس الجاهليّة ، وأنجاس الأخلاق الرّذيلة ، والأعمال السّيّئة
وَيُعَلِّمُهُمُ
بعد التّلاوة ذلك
الْكِتابَ
المنزل ، ويبيّن لهم حقائقه وتأويلاته ، ويوضّح متشابهاته ،
وَ
يدرّسهم
الْحِكْمَةَ
والسّنن الإلهيّة . ثمّ بالغ سبحانه في إيضاح كمال النّعمة بقوله :
وَإِنْ كانُوا
كلّهم
مِنْ قَبْلُ
بعثته ، وفي الأزمنة المتطاولة السّابقة على طلوع شمس نبوّته ، وإشراق نور هدايته
لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
وتيه الجهالة متحيّرين ، يرعون كالبهائم في مرعى الشّهوات ، ويتردّدون عمي العيون في الظّلمات .

في نقل رؤيا عبد المطلب

روى العامّة من طرقهم : أنّ عبد المطّلب جدّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، بينا هو نائم في الحجر انتبه مذعورا ، قال العبّاس : فتبعته ، وأنا يومئذ غلام أعقل ما يقال ، فأتى كهنة « 4 » قريش فقال : رأيت كأنّ سلسلة من فضّة خرجت من ظهري ، ولها أربعة أطراف : طرف قد بلغ مشارق الأرض ، وطرف قد بلغ مغاربها ، وطرف قد بلغ عنان السّماء ، وطرف قد جاوز الثّرى ، فبينا أنا أنظر عادت شجرة خضراء لها نور ، فبينا أنا كذلك إذ قام عليّ شيخان فقلت لأحدهما : من أنت ؟ قال : أنا نوح نبيّ ربّ العالمين ، وقلت للآخر : من أنت ؟ قال : إبراهيم خليل ربّ العالمين ، ثمّ انتبهت . قالوا : إن صدقت رؤياك ، ليخرجنّ من ظهرك من « 5 » يؤمن به أهل السّماوات وأهل الأرض ، ودلّت السّلسلة على كثرة أتباعه وأنصاره وقوّتهم ، لتداخل حلق السّلسلة ، ورجوعها شجرة تدلّ على ثبات أمره وعلوّ ذكره ، وسيهلك من لم يؤمن به كما هلك قوم نوح ، وستظهر به ملّة إبراهيم عليه السّلام « 6 » . أقول : هذه الرّواية والرّواية السّابقة دالّتان على إيمان عبد المطّلب ، وأبي طالب عليهما السّلام به صلّى اللّه عليه وآله قبل
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 79 و 80 . ( 2 ) . في النسخة : بناء ، وفي روح البيان : واللّه له بعد هذا نبأ . ( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 120 . ( 4 ) . الكهنة : جمع كاهن ، وهو المنجّم عند العرب . ( 5 ) . في تفسير روح البيان : نبيّ . ( 6 ) . تفسير روح البيان 2 : 121 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 124 | الشيخ محمد النهاوندي