تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
قيل : إنّ من فوائد كونه صلّى اللّه عليه وآله من أنفسهم وجوه : الأوّل : أنّه صلّى اللّه عليه وآله ولد فيهم وفي بلدهم ، ونشأ فيما بينهم ، وهم كانوا عارفين بأحواله ، مطّلعين على جميع أقواله وأفعاله ، فما شاهدوا منه من أوّل عمره إلى آخره إلّا الصّدق والعفاف ، وعدم الالتفات إلى الدّنيا ، والبعد عن الأخلاق الرّذيلة والكذب . ثمّ ادّعى النّبوّة والرّسالة ، التي يكون الكذب في مثل هذه الدّعوى من أقبح أنواع الكذب ، فمن عرفه بهذه الكمالات يغلب على ظنّه ، بل يتيقّن أنّه صادق في هذه الدّعوى . الثاني : أنّهم كانوا عالمين بأنّه صلّى اللّه عليه وآله لم يتلمذ لأحد ، ولم يقرأ كتابا ، ولم يمارس درسا ولا تكرارا ، وأنّه إلى تمام الأربعين لم ينطق قطّ بحديث النّبوّة والرّسالة . ثمّ أنّه بعد الأربعين ادّعى الرّسالة ، وظهر على لسانه من العلوم ما لم يظهر على لسان أحد من العالمين ، وذكر قصص المتقدّمين وأحوال الأنبياء الماضين على الوجه الذي كان موجودا في كتبهم ، فكلّ من له عقل سليم علم أنّ هذا لا يتأتّى إلا بالوحي السّماوي ، والإلهام الإلهي . الثالث : أنّه بعد ادّعاء النّبوّة ، عرضوا عليه الأموال الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدّعوى ، فلم يلتفت إلى شيء من ذلك ، بل قنع بالفقر وصبر على المشقّة ، ولمّا علا أمره ، وعظم شأنه ، وأخذ البلاد ، وعظمت الغنائم ، لم يغيّر طريقه في البعد عن الدّنيا ، والدّعوة إلى اللّه . والكاذب إنّما يقدم على الكذب ليجد الدّنيا ، فإذا وجدها تمتّع بها ، وتوسّع فيها ، فلمّا لم يفعل شيئا من ذلك علم أنّه كان صادقا . الرابع : أنّ الكتاب الذي جاء به ليس فيه إلّا تقرير التّوحيد ، والتّنزيه ، والعدل ، والنّبوّة ، وإثبات المعاد ، وشرح العبادات ، وتقرير الطّاعات . ومعلوم أنّ كمال الإنسان في أن يعرف الحقّ لذاته ، والخير لأجل أن يعمل به ، ولمّا كان كتابه ليس إلّا في تقرير هذين الأمرين ، علم كلّ عاقل أنّه صادق في ما يقوله . الخامس : أنّ قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان ، وهو عبادة الأوثان ، وأخلاقهم أرذل الأخلاق ، وهي الغارة ، والنّهب ، والقتل ، وأكل الأطعمة الرّديئة . ثمّ لمّا بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله نقلهم اللّه ببركة مقدمه « 1 » ، من تلك الدّرجة التي هي أخسّ الدّرجات ، إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزّهد والعبادة ، وعدم الالتفات إلى الدّنيا وطيّباتها . ولا شكّ أنّ فيه أعظم النّعمة والمنّة . إذا عرفت هذه الوجوه ، فنقول : إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله ولد فيهم ، ونشأ فيما بينهم ، وكانوا مشاهدين لهذه
هامش
( 1 ) . في النسخة : بلغهم اللّه بتركه مقدمة .