تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
ثمّ - لمّا كان في زعم المنافقين أنّ الخروج من المدينة ، وقتل من قتل ، مفسدة محضة ، لم يكن فيها جهة خير وصلاح - بيّن اللّه تعالى حكمه ومصالحه ، والتّقدير : أنّ الأمر بالخروج ، ووقوع ما وقع ، لتبلغوا إلى مصالح كثيرة
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ
ويمتحن بما هو كائن
ما فِي صُدُورِكُمْ
من الإخلاص والنّفاق ، والنّيّات السّيّئة والحسنة
وَلِيُمَحِّصَ
وليخلّص ما هو كائن
ما فِي قُلُوبِكُمْ
من العقائد الحقّة عن الشّكوك والشّبهات والوساوس
وَاللَّهُ
بذاته
عَلِيمٌ
أزلا
بِذاتِ الصُّدُورِ
وما في الضّمائر من الأسرار والخفيّات ، فلا يحتاج إلى الاختيار والامتحان ، وإنّما يبرز صورة الابتلاء ، لتمرين المؤمنين ، وإظهار حال المنافقين . نقل أنّ ثلث عسكر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله كانوا مجروحين ، وثلثهم منهزمين ، وثلثهم ثابتين مع الرّسول صلّى اللّه عليه وآله « 1 » . وروي أنّ سعد بن عثمان ورد المدينة وأخبر أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قتل ، ثمّ ورد بعده رجال ودخلوا على نسائهم فجعل النّساء يقلن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تفرّون ! وكنّ يحثين التّراب في وجوههم ويقلن : هاك المغزل واغزل به « 2 » . وروي أنّه أصيب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نحو من ثلاثين ، كلّهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول : وجهي لوجهك الفداء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك السّلام غير مودّع « 3 » . وروي أنّ ثمانية بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على الموت ، ثلاثة من المهاجرين : عليّ عليه السّلام ، وطلحة ، والزّبير ، وخمسة من الأنصار : أبو دجانة ، والحارث بن الصمّة ، وخبّاب بن المنذر ، وعاصم بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، ثمّ لم يقتل منهم أحد « 4 » .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 155 ]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 ) ثمّ أنّه تعالى - بعد بيان علل إيراد البليّات والمصائب على المؤمنين واستيلاء المشركين عليهم - بيّن علّة انهزام المنهزمين ، وعدم ثباتهم في الجهاد بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ
عن القتال ، وانهزموا عند النّزال
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
وتصادف الفريقان من المسلمين والكفّار ، لم يكن تولّيهم وانهزامهم بعلّة خروجهم من المدينة كما توهّم المنافقون ، ولا لقوّة المشركين وكثرة شوكتهم ، بل
إِنَّمَا
كان بسبب أنّه
اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ
ودعاهم إلى الوقوع في الخطيئة ، وارتكاب المعصية
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 50 . ( 2 ) . تفسير الرازي 9 : 50 . ( 3 ) . تفسير الرازي 9 : 51 . ( 4 ) . تفسير الرازي 9 : 51 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 108 | الشيخ محمد النهاوندي