ما أحل اللّه ، وأكثر أهل مكة كارهون للحق :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . . .
( 116 ) [ الأنعام ] ، وإن هو إلا الهوى سيطر عليهم واتخذوا إلههم هواهم ؛ ولذا قال تعالى :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
( 71 ) .
الهوى ينبعث من مصدرين :
أولهما - الشهوة والسيطرة التي قد تجمح بصاحبها عن مناهج السداد ، وموضع الاستقامة ، والتي تضل معها الأفهام والعقول .
وثانيهما - سيطرة الأهواء ، فيتخيل ثم يخال ، وإن هذين الأمرين لا يقوم بهما أمر صالح للبقاء ، فالشهوات نزعات ولا تكون معها إلا لذات وقتية لا تدوم ، بل تنته بانتهاء وقتها ؛ فلذة الخمر تنته بانتهاء وقتها ، وكذلك كل لذة جسمية تنفعل بها النفس لا تدوم ، وشهوات الناس مختلفة ، فيكون التضاد بين الناس والتنازع المستمر ، والتناحر القاتل ، كما نرى الآن في أمم أوروبا وخاصة أمريكا ، ثم الأوهام من شأنها أن تصور ما ليس واقعا كأنه واقع ، ويتخيل الشخص ، ثم يخال .
هذا هو الهوى ، وأهواء العرب ، كانت انحرافا فكريا أدى إلى استحسان الشر ، وضعفا عقليا أدى إلى اتباع الآباء ولو كانوا لا يعقلون شيئا ، مما أدى إلى تحريم ما أحل اللّه ، وأدى إلى الطواف عرايا ، للتخلص من نجاسة الثياب المعنوية ، كما توهموا ، وأدى إلى قتل أبنائهم ووأد بناتهم ، وإلى استباحة أكل أموال الناس بالباطل .
هذه هي الأهواء ما كان معروفا منها بعضه عند العرب ، أما الحق فإن مصدره العقل ، والعقل يقوم على ثلاثة أمور :
أولها - الميزان بين الأشياء والأفعال فيتخير أنقاها وأثبتها وأصلحها ، وأكثرها نفعا .