يتدبروا ما سمعوا من آيات تتلى أم أنهم جعلوا هذه الآية في منزلة ما جاء به آباؤهم فما دامت لم يجئ بها آباؤهم فهي في موضع الإنكار ، وفي هذا توبيخ لهم من ناحيتين :
أولاهما - أنهم مقلدون لا يفكرون بعقولهم تفكير موازنة بين حق وباطل .
وثانيهما - أنهم مقلدون آباؤهم ، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون .
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
( 69 ) .
أَمْ
تتضمن معنى بل ، والاستفهام الإنكارى ، و
« بَلْ »
معناها الإضراب ، فالكلام فيه إضراب انتقالى ، والمعنى نضرب عن هذا ، ونسألهم ألم تعرفوا رسولكم فأنتم له منكرون ، ومؤدى هذا التساؤل أنكم قد عرفتم رسولكم ، فقد نشأ بينكم ، وعرفتم صدقه وعدله واتزان فكره ، وسلامة طبعه ، وضئضئ نسبه ، وأنه من أوسطكم ، وأنه الأمين بينكم فكيف تنكرون رسالته ، وتنكرون شخصه ، وهو الأمين النسيب فيكم ، وأرجح رجالكم عقلا .
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
( 70 ) .
أَمْ
تدل على الإضراب والاستفهام معا ، وهو إضراب انتقالى يضرب بها عن الكلام قبله ، وينتقل إلى استفهام جديد ، ولا شك أنهم يعرفون أمانته وصدقه ، واستقامة نفسه وخلقه وعقله ، وطبعه ، ولا يتحول ذلك إلا إذا اضطراب كيانه العقلي والنفسي ، وأصيب بجنون ، والمعنى أيقولون به جنة ؟ أي أتحول عن طبيعته ، وأصابه جنون ، وهو يقول القول الحكيم ، ويتصرف التصرف الحكيم ، فلم يكن به جنون ، بل زاد بالبعث عقلا وعلما ، وإنما هو الكراهية للحق ؛ ولذا قال :
بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
،
بَلْ
للإضراب عن كل ما سبق فهم يعرفون إعجاز القرآن وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا ، وإذا لم يتدبروا القول ، فهو يقرعهم بالحجة ، وهم يعرفون الأمانة عنده ، وهم لا يقولون صادقين إنه مجنون ، ليس هذا ولا شئ منه ، ولكن الحق ثقل عليهم ، وقد جاء به ليبطل عبادة الأوثان وتحريمهم