فكان لهم في الكفر أعمال كثيرة منها : أنهم حرموا على أنفسهم ما لم يحرم اللّه تعالى ، كما حرموا السائبة والوصيلة والبحيرة . . . ، ومنها : أنهم جعلوا للأوثان نصيبا من الحرث ، ومنها : أنهم صدوا عن سبيل اللّه ، ومنها : أنهم فتنوا المؤمنين في دينهم ، ومنها : أنهم آذوهم وأخرجوهم ، ومنها : أن رؤوسهم صارت عشا للخرافات والأوهام ؛ ولذا قال تعالى :
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ
وقد أشرنا إلى بعض هذه الأعمال . ومنها : طوافهم بالبيت عراة ، وادعاؤهم أن اللّه تعالى أمر بها
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا . . .
( 28 ) [ الأعراف ] ، وقوله تعالى :
مِنْ دُونِ ذلِكَ
الإشارة إلى الشرك والكفر بآيات اللّه تعالى ، وإنكار التوحيد ، و
مِنْ
بيانية ،
دُونِ
أي غيرها وأدنى منها درجة في التكليف ، وأنهم مستمرون ، وهذا معنى قوله تعالى :
هُمْ لَها عامِلُونَ
فالجملة حالية من ضمير « لهم » ، أي والحال أنهم مستمرون على هذه الأعمال غير منقطعين عنها فهم في ضلال مستمر .
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ
( 65 ) .
حتى للغاية ، والمعنى : فهم في غفلتهم المستمرة الغامرة الحق بالباطل لا يستبصرون ولا يتيقظون ، ولا ينبههم إلا قارعة تقرعهم ؛ ولذا قال :
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ
فتقرعهم القارعة ، أي أنهم غافلون ، حتى تنبههم من الغفلة قارعة تمس المترفين ، وخص المترفين بالذكر ، مع أن القارعة تعمهم وغيرهم إذ المهلكات تعم ، ولا تخص المترفين منهم . خص المترفين ؛ لأنهم أصل الإنكار الذين تلهيهم الغفلة عن الحق ، أو يلهبهم ما هم فيه من ترف عن أن يدركوا الحق ؛ لأنهم لا شدائد تنبههم ، فالشدائد ترهف المدارك ، وتوقظ الأفهام ، ولأنهم لا يصبرون على الابتلاء ، بل يخرون صاغرين أمام أي شدة ، أو كارثة تكرثهم ؛ ولذا قال :
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
إِذا
للمفاجأة ، والمفاجأة تحوّل حالهم من استكبار واعتزاز وغفلة إلى صغار وتنبه ، وضراعة ، فالجؤار مصدر جأر وهو رفع الصوت بالضراعة والاستغاثة .