العبادة ، والذين يقطعون من أموالهم للفقراء ، ويوجلون إذ يعلمون أنهم إلى ربهم راجعون ، هؤلاء بهذه الصفات التي تسمو بهم يسارعون في الخيرات ؛ لأنهم يتنقلون في وسط صفات سامية ، فيتنقلون مسرعين في وسط خيرات ، ويلاحظ هنا أن التعدية ب « في » تفيد أنهم ينتقلون من مرتبة خير إلى أعلى منها مسارعين بهذه الصفات السامية ، فهم وسط دائرة الخير دائما يتنقلون في درجاتها ، أو الخير يمهّد للخير ، وكل خير يمهد إلى أعلى منه :
وَهُمْ لَها سابِقُونَ
الجملة حال من فاعل يسارعون ، فهم بهذه المسارعة المتنقلة بهم من خير إلى خير يسابقون إليها وكأنما يسبقون إلى الجزاء الأوفى ، والنعيم ، فجزاء المسارعة في الخير ، سبق إليه ، والضمير يعود إلى الخيرات ، والمعنى أن السبق إلى الخير هو نفسه خير ، وينته إلى جزائه ، فهؤلاء يبتدئ جزاؤهم من أعمالهم براحة ضمائرهم ، واستمتاعهم برضا ربهم ، وإحساسهم بإنسانيتهم الكريمة ، فالخير جزاؤه يبتدئ من ذات فعله ، وينته به إلى النعيم يوم القيامة .
وبين سبحانه أن اللّه تعالى يريد اليسر من عباده ، ولا يريد العسر ، وأنه لا يكلف سبحانه إلا بما يكون في دائرة الطاقة في يسر ومن غير مشقة ، فيقول تعالت حكمته :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( 62 ) .
الواو للاستئناف ،
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
أي إلا ما في طاقتها ، وتستطيع القيام به في سعة من غير إرهاق ولا إجهاد ، فلفظ
وُسْعَها
، يشير إلى أنه تكون عند عمله في سعة من غير ضيق ولا إحراج ، فلا حرج في الدين ولا ضيق ، وكذلك كل تكليفات الإسلام ليس فيها شقة فوق الطاقة ، وما يكون فيها شقة ربما تكون شديدة أحيانا لا تكون على الكافة كالجهاد ، بل يكون ابتداء فرض كفاية إلا أن يدخل العدو أرضنا ، فيكون فرض عين على كل قادر على حمل السلاح ؛ لأنه يكون شقة شديدة لدفع شقة أشد ، وهي شقة الذل وضياع الدين ، وهذه أشد الشّقات .