نبات الزرع والشجر ، كان إسناد الإنبات إليه سبحانه ، لكيلا يظن أحد أن ذلك الإنبات من الأخذ بالأسباب والمسببات ، وأنه فعل طبائع الأشياء ، وبين اللّه تعالى أن ذلك الإنبات منه ، وهو فوق الأسباب والمسببات ، سبحانه بديع السماوات والأرض ، والخالق لكل شئ على غير مثال سبق ، وقال بعد ذلك سبحانه : أإله مع اللّه ، أي يتساوى الخالق والمخلوق بل أدنى مخلوق ، واللّه خير من أوثانهم ، ودل على عدم التساوي بتوبيخهم على أن يجعلوا مع اللّه إلها آخر ، مع هذا التفارق ، وأنه لا يكون المخلوق كالخالق أبدا ، ثم قال تعالى :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
أي يعدلون عن حكم العقل ، وحكم المنطق ، والطريق المستقيم ، وكان التعبير بالمضارع لتصوير عدولهم عن الحق إلى الباطل ، ومن العقل إلى الهوى ، ألا ساء ما يقولون ، وما يفعلون .
وقوله بالنسبة لإنبات الحدائق فيه إشارتان بيانيتان .
الأولى : أنه عبر بالإنبات للأشجار مع أنه في آيات أخريات كان يضيف الإنبات إلى الزرع ويعبر عن خلق الأشجار ، بقوله تعالى :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
( 95 ) [ الأنعام ] ، وذكر الإنبات هنا بالنسبة للحدائق ذات الأشجار الوارفة الظلال ؛ لبيان عظيم قدرته في أنه ينبت هذه الدوحات والأشجار العظام ، ويتعهد من حال النبات ، حتى يصير فيحاء ذات بهجة وزينة ، ويسر الناظرين مرآها ، ويسر الناظرين ثمرها اليانع ، وقطوفها الدانية .
الثانية : هي قوله تعالى :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
كان هي كان الناقصة ، ونفيها معناها نفى الكينونة ، أي ليس في وجود ولا كيان ، أن لكم ، أي في قدرتهم ، أن تنبتوا شجرها ، إنما ينبتها العزيز الرحيم ، والخلاق العظيم .
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 61 ) .
أم للإضراب الانتقالى ، ودالة على الاستفهام المتضمن معنى المعادلة والموازنة ، بين اللّه تعالى خالق الكون وما فيه ومن فيه ، وأوثانهم التي يعبدونها .