أحدهما أنه كتاب مقروء متلو ، يتلى ، وتلاوته عبادة ، وقد علمنا سبحانه وتعالى كيف نتلوه ، وعلم نبينا تلاوته ليعلمها للناس أجمعين ، فهو متواتر بلفظه ، ومتواتر بتلاوته ، كما قال تعالى
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
( 32 ) [ الفرقان ] ، وكما قال تعالى :
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
( 4 ) [ المزمل ] ، وكما قال تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
( 17 ) [ القيامة ] .
والوصف الثاني أنه كتاب مبين أي بين في ذاته ، ومبين لكل ما اشتمل عليه من دلائل التوحيد ، ودلائل النبوة وأحكام شرعية ، وهداية للناس ، كما قال تعالى :
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( 57 ) [ يونس ] .
وقد ذكر سبحانه وصفا ثالثا ورابعا ، فقال تعالى :
هُدىً وَبُشْرى
، أي أنه هو ذاته يهدى فهو بإعجازه وبلاغته وعباراته المحكمة ، يهدى النفوس الطالبة للحق المهتدية التي تتجه إلى الحق ، كما تتجه إبرة البوصلة إلى قطبها ، فهو في ذاته هداية ، وهو أيضا مشتمل على الهداية ، ففيه دعائم التوحيد ، وصور الكون الهادية ، وآيات اللّه البينات في الأحكام الشرعية ، والمواعظ والعبر ، وقصص الماضين من الأنبياء ، وإن في قصصهم لعبرة لأولى الأبصار . والقرآن نور لا يرى نوره إلا المبصر ، وغذاء للأرواح ، ولكن لا يتغذى به إلا الأصحاء ، وشفاء ، ولكن لا يشفى به إلا من كان قابلا للشفاء ، ولذا قال فيمن ينتفعون ببشراه ، وهي الوصف الثاني الذي معناه أنه يبشر المؤمنين بالجنة والنعيم فقال : للمؤمنين .
وقد قال - عزّ من قائل - من بعد ذلك في التعريف بالمؤمنين .
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
( 3 ) .
ذكر للمؤمنين أمورا ثلاثة هي :
الصفة الأولى : أنهم يقيمون الصلاة ، أي يؤدونها ، مستوفية أركانها الحسية والروحية ، والمصلى يستشعر عظمة اللّه تعالى وجلاله ، ويحس أنه في حضرة اللّه تعالى ، وذلك كله يتضمنه معنى الإقامة ؛ لأن الإقامة إقامة الشئ مستويا مستقيما