تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5431

مساهمون:

ص٥٤٣١
ولنتكلم مستشرفين لمعاني القرآن الكريم في الأمرين في الدنيا والآخرة ، وقبل أن نخوض فيها خوضا نقرر أنه كما أن اليقين باليوم الآخر خلة المؤمن الدافعة إلى الخير ، والتي تجعله يتحمل متاعب هذه الحياة راجيا ما وراءها فإن فقد الإيمان باليوم الآخر ينسى الإنسان نفسه فيعتقد أن هذه الحياة هي وحدها الحياة ، ولا حياة بعدها ، ويحسب أنه خلق عبثا ، ولذا قال سبحانه :
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ
، أي حسّن اللّه لهم أعمالهم ، فحسبوها وحدها الخير ، ولا يحسبون أن أعمالهم كلها زينة وأمر حسن ، فهم دائما ممن زين لهم أعمالهم فرأوه حسنا ، فكل أعمالهم لا ينظرون إليها إلا من وراء نفوسهم غير المستقيمة ، ولا يعترفون بإرشاد مرشد ، ولا هداية هاد ؛ واعظ أو زاجر ، فهم في لهو دائم عن الحق ، وإن من كانت حاله كذلك ، قد ضرب على آذانه ، فلا يسمع الحق ، ولا يهتدى بهديه ، قد أهمل عقله وتفكيره ، وما أعطاه اللّه تعالى من مواهب ، وفطرة مستقيمة ، ولذا قال تعالى :
فَهُمْ يَعْمَهُونَ
الفاء لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ، أي ترتب على هذا التزيين لكل الأعمال التي يعملون ، ويحسبونها زينة يترتب على ذلك أنهم يعمهون . والعمة : التردد والحيرة ، أي ترتب على أن أعمالهم زينتها لهم نفوسهم ، أن صاروا في حيرتهم لفطرتهم السليمة التي تريهم الحق حقا ، والباطل باطلا ، وتزين نفوسهم للباطل حقا ، وللحق باطلا ، فتكون الحيرة بين الفطرة الهادية والشر المتحكم ، والضلال المظلم . وقد أكد اللّه سبحانه وتعالى هذه الحال بمؤكدات : أولها بأن المؤكدة ، وبإضافة التزيين إليه سبحانه ، وأن ما يريده اللّه لا يتخلف ، ولا يمكن أن يتخلف ، ولكن التزيين ابتدأ من أنفسهم ، وتمكن الشيطان منهم وإغوائهم ، وقد ذكر سبحانه بعد وصف حالهم في الدنيا ، وهو أن الدنيا تكون لهم مضطربا فسيحا ، فإن من الحيرة والاضطراب حالهم في الآخرة ، فذكر أمرين أولهما سوء العذاب ، وثانيهما أنهم وحدهم الأخسرون ، فقال :
أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ