الفاء للإفصاح عن شرط وتقديره إذا كان القرآن هو الحق ، وهو يدعو إلى التوحيد ، فلا تدع مع اللّه إلها آخر ، والدعاء هنا الالتجاء إليه والعبادة أي لا تعبد مع اللّه إلها آخر ، وتلجأ إليه
فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
، أي فتكون بسبب ذلك من المعذبين ، الفاء للسببية ، ولذا نصب الفعل بعدها ، ولقد كان النهى موجها إلى نبي الوحدانية ، ليقتدى به غيره ، وليعلم كل إنسان أن العذاب لاحق بمن يعبد مع اللّه إلها آخر ، فقلب العبادة : الوحدانية ، ولب الإيمان ألا يكون مع اللّه إله آخر .
بعد ذلك أمر سبحانه وتعالى أمرين متعلقين بالدعوة ، فقال :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
.
العشير القرابة القريبة ، والأقربين جمع أقرب ، وهو الأشد قرابة ، وقد جاء في مفردات الراغب ما نصه :
والعشير أهل الرجل الذين يتكثر بهم ، أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل ، وذلك أن العشرة هي العدد الكامل ، والمعنى أن العشير الأقارب الذين يعتز بهم ، ويحس بأنه منهم ، وأنهم منه ، أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد جاء في كتب السيرة وكتب السنة أنه عندما نزلت هذه الآية داعية إنذار عشيرته صار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الصفا ، ودعا قريشا ، ومنهم من حضر بشخصه ، ومن لم يحضر بشخصه وبعث من يسمع عنه وقال لهم : « يا بنى عبد المطلب ، يا بنى فهر ، يا بنى لؤي : أرأيتم لو أخبرتكم بأن عيرا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتمونى ؟ قالوا : نعم ، قال :
فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .
دعاهم عليه السلام هذه الدعوة ، وهي أولى الدعوات ، وكانت الدعوات قبل ذلك دعوات خاصة للزوجة والأهل والأصدقاء ، فهذه أول دعوة عامة ، أو شبه عامة وعمومها جزئي على أي حال .
هذه دعوة من لم يكن مؤمنا ، وقد أرشده سبحانه إلى الرفق بالمؤمنين ، لأنهم قوام الدعوة ، وعماد الحق ، وقد تعرضوا للأذى باتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له