لتعينهم على الإيمان ويروا الرحمة بجوار الأذى والعذاب
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
من : هنا بيانية ، والمعنى اخفض جناحك لمن اتبعك ، وهم المؤمنون ، وخفض الجناح فيه استعارة فيها تشبيه ، فشبه الحانى العطوف على من معه من المؤمنين بالطائر الذي يخفض جناحه ويحوط به فراخه ، حتى ينضجوا ويستغنوا عن كلاءته ، وحمايته .
هذا شأن من أطاعه من عشيرته ومن معه من المؤمنين ، وقال فيمن عصاه :
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
( 216 ) .
الفاء للإفصاح ، والضمير في عصوك يعود إلى الأقربين ، وإلى المؤمنين ، وربما نميل إلى أن تكون على المؤمنين فقط ، لأنه أقرب مذكور ، ولأن خفض الجناح لهم مشروط بأنهم مؤمنون لا يعصون ، فإن عصوك أيها الرسول فتبرأ منهم ، فإنك تخفض الجناح لتربيتهم وتهذيبهم ، وإبقائهم على الحق لا يخرجون عنه ، فإن خرجوا فتبرأ منهم ، وقل
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
، ويكون فيه عصيان لي ، ولا يعتمد عليهم في هذا العصيان ، والاعتماد كله يكون على اللّه ، ولذا قال من بعد .
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 220 ) .
التوكل هو تفويض الأمر للّه تعالى بعد أخذ الأسباب ، فلا يظن أن الأسباب وحدها كافية ، بل إنه لا بد من الاعتماد على اللّه تعالى بعد الأخذ في الأسباب ، والعناية بها ، والتوكل هو على اللّه العزيز القوى الذي لا يغلب ، الرحيم بعباده في شدتهم والذي يجيب مطالبهم العادلة بفضل رحمته سبحانه ، وقد وصف اللّه تعالى بثلاث صفات ، تبين أن الاعتماد عليه هو اعتماد على المحيط بكل شيء علما ، فوصفه بثلاث صفات تفيد كمال العلم والعزة ، وكمال السلطان والقهر .
الصفة الأولى : أشار سبحانه وتعالى بقوله :
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ
من منامك متجها إلى اللّه تعبده ، وإلى الناس تنفعهم وإلى نفسك تهذبها ، وإلى صلاتك تقيمها .