وإن المتعة التي يعقبها عذاب أليم لا تجدى ولا تنفع ولا ترفع ، ولقد كانوا يتوهمون أن ما هم فيه من تمتع يكفيهم ، ولكن
ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ
.
ما هنا موصول حرف ، وليست موصولا اسميا بمعنى الذي ، لأن الصلة في الموصول الأسمى يجب أن تشتمل على ما يربطها بالاسم من ضمير ، أو نحوه ، ولا ضمير يربطها ، فهي إذن موصول حرفى يكون وما بعده مصدرا منسبكا ، وتقديره : وما كان تمتعهم هذه السنين طالت أو قصرت مغنيا عنهم في الآخرة رافعا عذابهم الشديد النازل بهم ، كما كانوا يتوهمون أنه لا بعث ، وأنه إن كان بعث فليس بمعقول أن يعاقبوا ، وأن يكون أولئك الضعفاء المرذولون والعبيد المهينون هم المثوبين ، وكانوا دائما معتمدين على دوام تمتعهم في السنين المحدودة والأمد المعلوم .
وأنهم قد أنذروا ، فالملام في عقوبتهم عليهم هم وحدهم ، ولذا قال عزّ من قائل :
ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ
( 209 ) .
أي ما أهلكنا أي قرية ، والقرية المدينة العظيمة أو القبيل ، ومن دالة على عموم النفي واستغراقه ، إلا كان لها منذرون بالعذاب الشديد من رسل اللّه تعالى الذين يتكلمون عن اللّه تعالى ، وقد قال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
( 15 ) [ الإسراء ] وقال تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
( 24 ) [ فاطر ] .
وإن الرسول يذكرهم دائما ، وتبقى في رؤوس المعتبرين منهم ذكرى دائمة باقية حتى يجنبهم ما أنذروا به ، ولذا قال تعالى :
ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ
أي أن ذلك الإنذار على ألسنة الرسل تذكير لهم أن اعتبروا وأخشوا وخافوا ، وأكد سبحانه أنه لا يظلمهم ، فيأتيهم بالعذاب من غير إنذار ، فقال تعالى :
وَما كُنَّا ظالِمِينَ
( كان ) هنا دالة على النفي الدائم ، أو نفى الشأن ، أي وما كان من شأننا الظلم ، كما قال تعالى في آية أخرى ،
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 46 ) [ فصلت ] ولقد قال في إنذارهم
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
( 44 ) [ إبراهيم ] .