فيها النبات ، ويستغلظ سوقه ، ويقوى عوده حتى يصير طعاما في ذاته أو حبا متراكبا ، وهكذا ، ولذا قال تعالى :
كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
كم - هنا هي الخبر الدال على الكثرة ، وموضعها في الإعراب النصب أي كثيرا ما أنبتنا فيها
مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
من بيانية ، أي أنبتنا من زوج أي شيئين متقابلين في اللون أو الذكورة والأنوثة ، وغير ذلك من كل شيئين متقابلين في الألوان والطعوم ، وكريم - أي كثير المنافع في الأكل والملبس ، والمأوى ، وإن هذه الجملة السامية فيها من دلائل الإعجاز بإيجاز القصر ، الذي تكثر فيه المعاني مع قلة الألفاظ ، فهذه الجملة شملت كل ما في معاني الإنبات ، وثماره من زرع وغراس نخيل وعنب ، وفواكه من كل ما تشمله الالفاظ ، وتراه الأعين .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
الإشارة إلى الإنبات ، أي إن في ذلك لآية ، أي لعلامة تدل على قدرة القادر ، ونراها كل يوم في حياتنا الخاصة والعامة ، وهي حولنا تنبئنا بالعليم الخبير ، القادر على كل شيء ، فحولنا النخيل والأعناب ، وحولنا الحب المتراكب ، والزروع والحشائش التي تأكل منها أنعامنا ، وتدر علينا الدر الوفير ، ولكن مع هذه الآية الباهرة والدلائل القاهرة أكثرهم لا يؤمنون ، ولذا قال تعالى :
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
( كان ) هي الدالة على الاستمرار ، أي وقد استمر أكثرهم غير مؤمنين ؛ لأنهم لم تدرك عقولهم ، ولم يتدبروا ولم يتفكروا .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
.
الواو عاطفة على ما ذكر من آيات بينات . والتعبير بربك للإشارة إلى معاني الخلق والربوبية والكلاءة والحفظ والرعاية والقيام على الحياة والأحياء ، لأنه الحي القيوم
( لَهُوَ )
اللام لام التوكيد ،
( الْعَزِيزُ )
أي الغالب
( الرَّحِيمُ )
المتصف بصفة الرحمة الدائم ، فهو رحيم بهذا الخلق والتكوين ، ورحيم بهذه الرسائل التي أرسلها على أيدي الرسل ، ورحيم بالبعث والنشور ، ورحيم بكل ما ورد به الرسل من معجزات دالة على رسالاتهم ، ورحيم بالعقاب والثواب ، لأن ذلك حمل على الخير ، وجزاء عليه .