تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5337

مساهمون:

ص٥٣٣٧
ومما يجب التنبيه إليه أنه عبر بالماضي في معنى المضارع للدلالة على تأكد خضوعهم وأنهم يظلون خاضعين غير متمردين ، ولكنه أراد الاختيار تكريما لبنى آدم في الأرض كما أراد أن يجعله خليفة . وقد بين سبحانه وتعالى تلقى المشركين للقرآن ، فقال عزّ من قائل :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
. - الذكر هنا ليس القرآن كله ، إنما هو بعض ما ينزل من مواعظ مذكرة ، وقصص وأحكام تذكر ، وعبّر بلفظ ،
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ
على أن ذلك قريب محدث مجرد لمعنى التذكر والتفكر لمن هو أهل لذلك ، إلا كانت حالهم حال إعراض ، فالاستثناء من أعم الأحوال ، والجملة بعد ( إلا ) منصوبة في معناها على الحال . وإن هذا الذكر من الرحمة بهم ؛ لأن التذكير رحمة ، ولذا قال تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ
أي من اللّه تعالى الذي هو مصدر الرحمة ، والذي لا يكون منه إلا ما هو رحمة ، فهم يعرضون عن الذكر وهو رحمة بهم ، فكل شيء منه رحمة جزاؤه رحمة ، وعقابه رحمة ، ومواعظه وشرائعه رحمة ، و ( من ) في قوله تعالى :
مِنْ ذِكْرٍ
لبيان عموم الاستغراق ، ومن الثانية للابتداء وبيان من صدر عنه التذكير الذي هو رحمة للعباد ، وكانوا دالة على استمرارهم في الإعراض كأنه شأن من شؤونهم ، وحال دائمة من أحوالهم ، وتقديم
عَنْهُ
عن متعلقها ، وهي ( معرضون ) لأن التقديم يفيد معنى الاختصاص ، أي كأنهم لا يعرضون إلا عن الحق ، ومن فساد نفوسهم لا يعرضون عن باطل ، بل لا يعرضون إلا عن الحق لأنه يلائم فساد نفوسهم ، وضلال تفكيرهم . وقال تعالى :
فَقَدْ كَذَّبُوا
الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي فإنه يترتب على هذا الإعراض التكذيب ، أي بسبب ذلك الإعراض قد كذبوا الحق لما جاءهم ، وبسبب ذلك سيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون والأنباء جمع نبأ ، وهو الخبر العظيم الشأن الذي يؤثر في شأنهم ، وإن المواعظ ، والذكر الحكيم كان فيه إنذار بما يقع لهم في العاجلة والآجلة ، ففي العاجلة يجعل اللّه
زهرة التفاسير — صفحة 5337 | محمد أبو زهرة