تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5335

مساهمون:

ص٥٣٣٥
ولذا كانت أكثر السور المفتتحة بهذه الأحرف ، يعقبها ذكر القرآن ، وهنا جاء بعد هذه الحروف الصوتية قوله تعالى :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
( 2 ) . - الإشارة في قوله تعالى :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
( 2 ) للسورة أو آيات مضافة إلى الكتاب ، والإضافة بمعنى ( من ) أي آيات من الكتاب ، وأضيفت إلى الكتاب كأنها كل الكتاب ؛ لأن كل آية من الكتاب فيها خصائصه من إعجاز ، وبيان وروعة ، وكانت الإشارة « بتلك » التي تدل على البعد لعلو منزلتها ، وارتفاع قدرها ، وسمو مكانها ، و
الْمُبِينِ
معناها البين في ذاته والمبين للشرائع والتوحيد ، وهداية البشر ، وما من شيء يتعلق بالإيمان وشرائعه إلا بينه ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فهذا الكتاب أو بعضه واضح الدلالة على أنه من عند اللّه تعالى بإعجازه ، ولقد كان محمد الصدوق طول حياته حتى إنه ما عرفت له كذبة قط ، وهو الشفيق على قومه حريص على أن يؤمنوا به ، حتى لا تفوته فضيلة التصديق ، ولا يفوتهم خير الإيمان ، ولذا قال تعالى :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) . البخع قطع خيط العنق ، أي إصابة النخاع الشوكي الذي يسير في فقرات العنق ، فإن ذلك نهاية الفرج
أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
الضمير المنسبك من أن وما بعدها فاعل باخع ، أي يبخعك ويقتلك ألا يكونوا مؤمنين ، وهذا كقوله تعالى في أول سورة الكهف :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
، وكقوله تعالى :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
وقلنا إن فاعل : باخع هو ألا يكونوا مؤمنين ، بعدا عن التأويل ، لأن ما لا يحتاج إلى التأويل أولى بالأخذ مما يحتاج إلى تأويل ، ولأن التأويلات فيها بعد ، وفيها خروج عن معنى الآية الظاهر . وقوله :
أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
يشير إلى أن بخع نفس الرسول صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنهم لم يكونوا مؤمنين أي لم يؤمنوا ، والضمير كينونتهم أنهم من المؤمنين ، فيكونوا قوة ، وهم أقرب الناس إليه ، وهو عليهم شفيق . وقد بين سبحانه وتعالى أن اللّه أراد أن يكونوا مختارين في إيمانهم ، فيؤمنوا بعد الموازنة بين حالهم ، وما يدعوهم إليه النبي ، فيكون التكليف بعد الاختيار والموازنة ، ويكون الجزاء على الإيمان ، والجزاء على الامتناع .