تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5253

مساهمون:

ص٥٢٥٣
الذي عجزوا عن أن يأتوا بمثله ، ورأوا أتباع محمد ينمون ولا ينقصون ، ورأوا ميل بعض كفارهم إلى سماع القرآن وما يدعو إليه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . رأوا ذلك ، ولم يستطيعوا دفعه ، ولكن بدل أن يذعنوا للحق إذ تبين لهم ، ادّعوا أن ما يجئ به هو السحر ، فظلموا ظلما كبيرا .
وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
. هنا إظهار في موضع إضمار ، وذلك لوصفهم بالظلم أولا ، ولبيان ظلمهم وعدم إرادتهم الحق هو الذي رفعهم إلى رمى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالسحر ، وهو يتكلم عن اللّه تعالى :
إِنْ تَتَّبِعُونَ
إن هنا نافية ، أي لا تتبعون إلا رجلا مسحورا ، أي ينطق على لسانه الحق ، وهذا يومئ إلى أنهم رأوا عجائب فبدل أن يقولوا إنها من عند اللّه قالوا : إنه مسحور ينطق على لسانه الجن والشياطين . وفي الآية الكريمة إشارة إلى أنه كان من أهل مكة من يريدون اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد اتبعه من اتبعه .
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
. الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، و
ضَرَبُوا
معناها بينوا ، والأمثال هي الأحوال المتشابهة في زعم القائل ، أن انظر كيف حاولوا أي تكون الرسالة مع ملك من السماء يكون ردءا للرسول في إنذاره ، ثم كيف حاولوا أن يجعلوه كالملك الذي تجرى كنوز الأرض تحت يديه ، أو كحواشى الملوك الذين يقطنون الإقطاعات الواسعة ، حاولوا عقد المشابهة بين هذه الأحوال والرسالة ، وهذه أمور دنيوية تنأى عن معنى الرسالة ، ولذا قال تعالى :
فَضَلُّوا
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي بسبب زعمهم هذه المشابهات ضلوا وبعدوا عن الحق وأوغلوا فشبهوا رسالة اللّه برسالة الناس ، وأنه يكون معها شاهد من قبل المرسل ، كملك ، وشبهوا الرسول بالملك الغنى أو حاشيته ، وكل هذه تشبيهات باطلة في أصل موضوعها وفي أوصاف الموضوع ، فليس اللّه كأحد من خلقه ، إنما معجزته هي الشاهد ،
زهرة التفاسير — صفحة 5253 | محمد أبو زهرة