تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5250

مساهمون:

ص٥٢٥٠
الأمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد كان الرد الذي أمر اللّه تعالى به نبيه ليس مجاراة لهم ، ولكنه بيان لافترائهم بإثبات نقيض الافتراء ، وهو أن الذي أنزله على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو اللّه الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، وهذا دليل إيجابي يثبت نقيض ما يفترون من ثلاثة وجوه . أولها - أن الذي يعلم السر في السماوات والأرض يعلم ما خفى ، وما خلق وما أنشأ ، وليس بغريب عليه أن ينزل قرآنا كريما فيه الدليل القاطع على رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن السر الذي في السماوات والأرض في خلق كل منهما وارتباط كل واحدة بالأخرى ، وما يربط النجوم بعضها ببعض من جاذبية شديدة تجعلها بناء واحدا ، وإمساك اللّه تعالى للسماوات أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكها أحد من بعده . ثانيها - أن من يعلم سر السماوات والأرض يستلزم أنه أوجدها ، ومن أوجد السماوات والأرض ليس بغريب عليه أن ينزل قرآنا هو دليل رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومعجزته الكبرى . ثالثها - أن الذي يعلم السر في السماوات والأرض يعلم كل شئ ، فهو الذي يعلم نبيه القرآن ، ولا يحتاج إلى من يملى عليه بكرة وأصيلا . وننبه هنا إلى أمرين : أولهما - الدليل الذي يدل على أن اللّه تعالى هو الذي أنزله ، هو العجز بعد التحدي الشامخ . الأمر الثاني - أن اللّه تعالى الذي يعلم السر في السماوات والأرض فقال المفسرون : إنه ذكر السر ، ومن يعلم السر يعلم بالأولى الظاهر البين ، وذلك كلام حسن في ذاته ، ولكن بدر إلينا أن معرفة السر في السماوات معناه السر في ارتباط أجزائها ، وبنائها من غير عمد ، وذلك وحده دليل القدرة الباهرة ، وإشارة إلى التكوين العجيب في صنعه ، وختم اللّه تعالى الآية بفتح باب التوبة فقال :
إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
، أي أنه سبحانه وتعالى يغفر للتائبين ويرحمهم .
زهرة التفاسير — صفحة 5250 | محمد أبو زهرة