حتى يتكاثر جمعهم ، وأولئك هم المنافقون الذين يشق عليهم اجتماع المؤمنين ، ويشتد غيظهم ، كلما رأوهم يتبادلون الأمر فيما بينهم ، ولذلك كان أشق الأيام عليهم يوم الجمعة ، إذ يجتمع المؤمنون في المسجد يتشاورون في أمورهم الحاضرة والقابلة .
ثم قال تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
الفاء للإفصاح ، وهي تومئ إلى شرط مقدر ، واللام للأمر ، والأمر بالحذر يوجب العمل على الوقاية من شر المخالفة ، والضمير في
أَمْرِهِ
يعود إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنى ليحذر الذين يخالفون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صادين عن أمره
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
. الفتنة هي اضطراب وانحلال الجماعة وتفرقها ، والعذاب الأليم هو عذاب يوم القيامة ، فمخالفة الرسول في الأمر الجامع تؤدى إما إلى فتنة مردية ، ولا يكون ذلك في حياة الرسول ، بل يحتمل أن يكون في الأئمة من بعده كما كانت الفتنة في عهد الإمام عثمان ، والإمام على رضى اللّه عنهما ، وانفلت الأمر إلى معاوية فكان ملكا عضوضا .
والعذاب الأليم للمنافقين الذين يفرقون في الجماعة ، ويشيعون عدم الثقة والفساد ، يستقبلهم يوم القيامة كما يستقبل كل الكفار ، مع ملاحظة أن النفاق ذاته عذاب لذوي النفوس المدركة ؛ لأن المنافق يكون مضطربا دائما بين ما يخفيه وما يظهره ، وما يناله ، ولقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في بيان حال المنافق : « مثل المنافق كمثل الشاة الحائرة بين غنمين لا تدرى إلى أيهما تذهب » وهذا عذاب نفسي أليم .
لقد ذكرهم سبحانه بسلطانه في السماوات والأرض ، وأن المآل إليه فقال :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 64 ) .
أكد اللّه سبحانه وتعالى ملكيته لكل ما في السماوات من نجوم وكواكب ، وبروج مشيدة ، وغيرها ، وما في الأرض من إنس وجن ، وجبال ووهاد ، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة ، وفلزات ، وما فيها من بحار ، فيها أحياء تثير العجب من إبداع الخلق والتكوين .