ويحتمل أن يراد بالتسبيح الصلاة ، وقد عبر سبحانه عن الصلاة بالتسبيح والتنزيه في قوله تعالى :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 17 ) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
( 18 ) [ الروم ] ، قد جعل اللّه تعالى الصلاة موضع عبادته وتنزيهه ، وهي عمود الدين ، ولا دين من غير صلاة ، ولكن لم يذكر اللّه تعالى من أوقات الصلاة إلا الغدو والآصال ، ونقول : إن ذكر الآصال والغدو هو ذكر لما بينهما من الظهر ، ولما بعدهما من العشى ، وأن تفسير التسبيح بالصلاة أنسب للمساجد التي هي بيوت اللّه ، كما قال تعالى :
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً
( 18 ) [ الجن ] .
وقوله تعالى :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
، إن اتصال هذه الآية بما قبلها إعرابا وبيانا للمعاني واضح ، لأن
رِجالٌ
فاعل ل
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
، وقد بين سبحانه أحوال هؤلاء الرجال وصفاتهم ، فقال :
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
أما إنهم لا تلهيهم الحياة وما فيها عن ذكر اللّه ، فهم في ذكر لله دائم ، في تجارتهم يذكرون وفي بياعاتهم يذكرون اللّه تعالى ، فذكر اللّه يجب أن تملأ به القلوب ، لا يغفلون عن ذكره أبدا ، وإذا ذكر اللّه تعالى في معاملاته الإنسانية كان في طهارة دائمة فلا يغش ، ولا يداهن ، ولا يبخس الناس أشياءهم ، والصلاة شرعت في أوقاتها الخمس لدوام ذكر اللّه تعالى ، فصلاة الفجر لملء النفس بذكر اللّه ، فيقبل على الحياة ، وهو ممتلئ بذكر اللّه تعالى ، حتى إذا ابتدأ القلب يصدأ جاءت الظهر فجلته وطهرته بذكر اللّه ، حتى صلاة الأصيل ثم صلاة العشاءين ، ويختتم اليوم بتسبيح اللّه تعالى ، وامتلاء النفس بذكره ، فيستمر ذكر اللّه فيهم ، ولا تلهيهم تجارة ولا بياعات ، ولا أعمال الحياة عن ذكر اللّه أبدا ؛ لأنهم في ذكر دائم بعبادة اللّه تعالى وخصوصا الصلاة ، ولذا ذكر الصلاة وإقامتها ، فقال تعالى :
وَإِقامِ الصَّلاةِ
وهذا من عطف الخاص على العام ، وإقام الصلاة والإتيان بها مقومة مستقيمة بذكر اللّه تعالى في كل أركانها وكل عباراتها . والصلاة كما أشرنا تهذيب الروح واتصالها بالله ، والمصلى وهو واقف لإقامتها يحس بأنه واقف في