تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5196

مساهمون:

ص٥١٩٦
الآيتان مرتبطتان بالآيات التي قبلهما إعزازا لمعني ؛ وذلك لأن قوله تعالى :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
الجار والمجرور متعلقان بالآية التي قبلها ، وفيها عدة أفعال كل فعل فيها يصلح متعلقا ، فيصح أن يكون متعلقا بقوله :
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ
، ويصح أن يكون متعلقا بقوله :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ
ويصح أن يكون التعليق بقوله :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
فالتعليق يصح أن يكون لفعل من هذه الأفعال ، فالمساجد تتعلق بالنور والهداية ، وهي بيوت اللّه تعالى ، وفيها النور ، وفيها يوقد النور الإلهى ، وفيها الهداية . ونكرت البيوت ، لتذهب النفس في تعرفها كل مذهب ، وقد عرفها سبحانه وتعالى بوصفها الذي يجليها ، ويزيل إبهامها للنكرة ، وهو قوله تعالى :
أَذِنَ اللَّهُ
الإذن الإعلام ، ورفعتها هي رفعة مكانتها وقدرها ، فالرفعة معنوية لا حسية ، ورفعتها المعنوية ؛ لأن فيها النور وفيها الهداية ، وفيها السمو ، وفيها الربانيون الذين لا يريدون إلا رضا اللّه تعالى ، وإنه يقترن بهذه الرفعة ، أو بذكر اسم اللّه تعالى ، ولذا قال تعالى :
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
، أي تتذكر القلوب اسم اللّه تعالى ، وتمتلئ بهيبته وجلاله ، وترتفع إلى مقام التجرد الروحي لله تعالى ، فليس المراد كما يظهر ذكر اسم اللّه بلفظ الجلالة ، وترداده في حلقات ذكر ، وما تلهث فيه الأنفاس وتردده من صياح ، بل المراد تذكر القلب والعقل لعظمته وامتلاؤهما بجلاله ، وتقشعر منه الجلود ، لا بمجرد التمايل في حلقات ربما يتوسطها الشيطان ! ! ويكون فيها تقديس اللّه تعالى ، وتنزيهه وعبادته كما جاء بها القرآن والسنة ، ولذا قال تعالى :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
، أي في الصباح ، وهو أول اليوم ، والآصال ، وهي جمع أصيل ، وهو آخر اليوم ، وربما يدخل فيها ما بعدها ، وهو العشى ، كما قال تعالى في آية أخرى
. . . بُكْرَةً وَعَشِيًّا
( 11 ) [ مريم ] ، والتسبيح هنا يحتمل أن يراد به التنزيه المطلق ، ويكون المراد أنه في هذه البيوت التي يذكر فيها اسم اللّه تعالى ينزه اللّه تعالى ويقدسه فيها رجال . . إلى آخره ، فهي بيوت اللّه لا يذكر فيها غيره ، ولا يقدس فيها سواه .