الحضرة الربانية ، واللّه يراه وهو العليم بما في الصدور ، وما تخفى الأنفس ، وهؤلاء لا تلهيهم مطالب الحياة وغاياتها عن إيتاء الزكاة ، وهي التعاون الاجتماعي الذي تقوم على دعائمه الحياة الإنسانية في الإسلام .
وإن الأساس للخلاص الكامل للمؤمن هو الإيمان بالبعث والنشور والقيامة والحساب ، فإن ذلك يجعل الإنسان يحس بأن لحياته معنى وغاية ، ولم يخلق عبثا أو سدى ، بل إن له يوما يحاسب فيه على ما قدم وما كسب ، ولذا قال في أوصاف الرجال الذين يعمرون مساجد اللّه
يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
، أي يخافون يوم الفزع الأكبر ، و
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
تضطرب ، والتقلب التحول أي بمعنى تتحول وتنتقل من مكانها ثم تعود ، وتكون في تحول ثم عودة ، وهذا يدل على اضطرابها ، وفزعها أشد ما يكون الفزع ، وإن تقلب القلوب يكون بين الطمع والخوف ، والرجاء والهلع ، وتقلب الأبصار يكون بأن تتقلب حدقة العين في الحركة من الخوف ، وهذا يدل على فزع واضطراب مستمر ، كما قال تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ . . .
( 110 ) [ الأنعام ] .
والنتيجة لهذا اليوم بينها اللّه تعالى بقوله :
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
( 38 ) .
هذا الجزاء ، هو للذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه تعالى ، فمع عملهم الصالح يخافون لقاء اللّه ويرهبونه استصغارا لأعمالهم الصالحة ، وخوفا من هناتهم ، وكذلك الطاهرون دائما ؛ لأن نفوسهم نظيفة يخافون أن تلوث ، كما يخاف اللامس على ثوبه الطاهر ؛ لأن أي دنس يشوه منظره ، ويقبح مخبره ، فالطيب المستقيم على حق دائما ، وقوله تعالى :
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
اللام هي لام العاقبة ، أي لتكون عاقبة هذا اليوم بالنسبة لهؤلاء الأطهار أن يكون جزاء حسنا لأحسن أعمالهم ، وجعل سبحانه وتعالى الجزاء لأحسن الأعمال ، والجزاء لهم على أعمالهم ، وذكر الكلام بهذه الصيغة لبيان أن الجزاء مساو للعمل تماما ، واللّه قد يزيد