منع ابتغاء المحرمات ، والابتغاء هو الطلب الشديد الذي يؤدى إلى العدوان ؛ لأن الابتغاء افتعال من البغى ، والبغى في ذاته في معنى التعدي ، وأولئك الذين تنحرف طبائعهم ، فلا يقفون عند الانحلال يطلبون الشهوات بشدة تؤدى بهم إلى الانحراف عن الجادة ، وقوله :
وَراءَ ذلِكَ
أي سواه ، وعبر عنه ب
« وَراءَ »
إشارة إلى أنه انحطاط في الرتبة ، وإلى أنه وراء الإنسانية المستقيمة ، وانحراف في القصد :
فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
الإشارة إلى هؤلاء الذين يبتغون غير الحلال ، والإشارة إلى الموصوف بصفة فيها بيان أن هذه هي علة الحكم ، والحكم أنهم عادون ، أي ظالمون ومتجاوزون ، فقد تجاوزوا حد الحلال وهو واسع : يجوز زواج أربع ، والتسري بمن يشاء من الإماء ، وهو ظالم لنفسه بارتكاب الحرام ، وظالم لنسله ، وظالم للمجتمع ، والظلم مرتعه وخيم ، ولا شك أن نكاح المتعة مما وراء ذلك ؛ لأنها ليست زواجا ، ولا ملك يمين ، وبها احتجت عائشة على ابن عباس ، وأخطأ الزمخشري ومن تبعه إذ عدها زواجا ، وما هي بزواج ، وما سماها أحد من السلف زواجا .
الوصف الخامس : مراعاة الأمانة ، وهكذا انتقلت الآيات من مرتبة النفس إلى التعاون الاجتماعي إلى إقامة الأسرة على أساس العدل ، والمحافظة على النسل ، ثم بينت بعد ذلك الأسس التي يقوم عليها التعامل الإنسانى ، وهو الأمانة ، فقال عزّ من قائل :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
( 8 ) .
الأمانة : ما يؤتمن عليه الإنسان ، والعهد ما يكون اتفاقا بين طرفين يتعهد كل واحد لصاحبه ، والمحافظة على الأمانة والعهد من صفات المؤمنين ، وخيانتهما من صفات المنافقين ، وقد ورد في الحديث الصحيح « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان ، وإذا عاهد غدر » ، وزيدت في رواية أخرى رابعة ، « وإذا خاصم فجر » .
ورعاية الأمانة - والعهد القيام عليهما وملاحظتهما ، والدقة في المحافظة عليهما ، كما يرعى الراعي رعيته ، وقال الزمخشري في ذلك : والراعي القائم على