العبرة في هذه القصة
أجمعت كل الصحاح على أن العبد الصالح هو الخضر ، ويلاحظ أن القرآن الكريم ذكر أقواله ومجاوباته مع كليم اللّه موسى عليهما السلام ولم يذكر عن شخصه إلا أنه عبد من عباد اللّه آتاه رحمة ، وعلمه من لدنه علما ، فإذا ثبت في الصحاح أن اسمه الخضر ، وهو من الخضرة والنضرة نقبله غير معترضين ، ولكن راضين خاضعين مذعنين ، والعبرة في القصة بمعانيها ، ولا مشادة في الاسم بالنسبة لها .
وإن القرآن الكريم ذكرت فيه على أنها قصة قد وقعت ومجاوبات قد قامت بين موسى ، والعبد الصالح فهي واقعة صادقة ، ولا مساغ لتفسير بغير أنها خبر قد وقع وثبت .
ولكن قد أثير كلام حول رؤية الخضر أكان مرئيا بالعيان كما ترى الأشخاص ، أم أنه كان مرئيا فقط لموسى عليه السّلام ، وأنه لم ير وهو يخرق السفينة إلا لموسى فقط ، ولم ير وهو يقتل الغلام إلا لموسى ، وكذلك عندما أقام الجدار ، ولو أنه رؤى وهو يقتل الغلام لطارده الناس وما تركوه ، وكذلك الجدار فإنه يحتاج إلى هدم وإقامة ، وينظر الناس إليه وهو يهدم ويبنى ، ويظهر الكنز ، وكل هذا يحتاج إلى زمن طويل يكون مرئيا فيه للناس .
وإني أميل إلى أن الرؤية كانت خاصة بموسى عليه السّلام ، كما يشاهد الأنبياء الملائكة ، ومع ميلنا لهذا نقول : « إن اللقاء الأول كان مرئيا فيه لموسى ولغيره ؛ لأن اللّه يسند فيه الرؤية لموسى ولفتاه » ، فيقول اللّه تعالى :
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
( 65 ) .
ولعل السبب في أن الفتى لم يذكر له خبر في مسألة السفينة والغلام والجدار وكان يذكر الحديث عن اثنين فقط هما موسى والخضر ، ولا يهمنا أين تركه وفي أي مكان افترق عنه فتاه .