تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4571

مساهمون:

ص٤٥٧١
لم يستخرج ، وقد أراد اللّه تعالى أن يستخرج كنزهما ، وهذا قوله تعالى :
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما
، والأشد هو القوة ، وقد شرحنا اشتقاقه ، أي أن يبلغا قوتهما في الجسم والعقل ، والرشد في التعامل
وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما
، واستخراج الكنز طلب إخراجه ، والعمل على ذلك منهما أو من غيرهما ممن له صلة بهما ، فالسين والتاء للطلب ، وذكر إرادة اللّه دون إرادته هو ، وإن كانت إرادته تابعة لإرادة اللّه سبحانه وتعالى ؛ لأن هذه الإرادة الإلهية متعلقة بأمر في المستقبل يتصل بالتكوين وهو بلوغ الأشد ، وأن يحصلا على كنزهما بعد محاولة استخراجه ببذل ما يبذل في سبيل ذلك عادة
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
، أي لأجل الرحمة من ربك الذي هو الحي القيوم الذي يرب الوجود جميعا ، أحياء وغير أحياء . وهنا نجد أن إقامة الجدار كان لأجل استخراج الكنز ، وإن ذلك لا يتم فيما يظهر إلا بهدم الجدار أولا ليظهر ما تحته من كنز ، ثم إقامته من جديد بعد كشف ما تحته . ثم أشار العبد الصالح إلى أن ذلك بأمر اللّه وتكليفه فقال :
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
، أي ما فعلته صادرا عن أمرى ، بل منفذا أمر اللّه ، وليس لأحد أن يعترض على أمر اللّه تعالى :
ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
، أصلها ما لم تستطع صبرا عليه ، حذفت التاء تخفيفا في النطق إذ يصعب النطق بالتاء التي يعقبها الطاء لتقاربهما في المخرج ، ولم تحذف في
لَنْ تَسْتَطِيعَ
؛ لأنها متحركات بخلافها هنا فالأولى مفتوحة والثانية ساكنة ، الإشارة إلى معرفة المآل في سر خرق السفينة وقتل الغلام ، وإقامة الجدار ، وإن ذلك من أمر اللّه تعالى ؛ لأنه يتعلق بالغيب ، ولا يعلم الغيب إلا اللّه ومن يتكلم عن الغيب إنما يأخذ من علم اللّه الذي علمه بعض عباده الصالحين .
زهرة التفاسير — صفحة 4571 | محمد أبو زهرة