وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
( 78 ) .
هذا تكميل ما جاء في الآية السابقة ، ففي الآية السابقة كان التدرج من الأمر بتطهير النفس ، وملئها باللّه تعالى في الصلاة والعبادة ، ثم فعل الخير لأكبر عدد ممكن في الأمة ، وفي هذه الآية المطالبة بالنفع الإنسانى بتبليغ الرسالة المحمدية رسالة الإنسانية للناس جميعا ، وذلك بالدعوة إلى الإسلام ، وهو جهاد ، وتذليل العقبات في سبيل هذه الدعوة ، وإزالة كل المحاجزات التي تحاجز دونها ، ولو كان ذلك بالحرب ؛ ولذا قال تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ
.
الجهاد مفاعلة ببذل الجهد ، فالمؤمن يبذل جهده في الدعوة إلى اللّه ، والمقاوم من الكفار يبذل جهده في الصد عن سبيل اللّه ، ومقاومة الحق .
وقوله تعالى :
فِي اللَّهِ
، أي الجهاد لأجل ذات اللّه وابتغاء مرضاته ف
فِي
هنا تفيد السببية ، كما في الحديث الشريف : « دخلت امرأة النار في هرة » « 1 » ، والإتيان ب
فِي
بدل « الباء » أو « من » فيه معنى إحاطة اللّه تعالى بالجهاد بأن يكون كله للّه تعالى ، وقوله تعالى :
حَقَّ
الإضافة فيه بيانية ، أي الجهاد الحق الذي يكون من غير إرادة الفخر ، أو ابتغاء دنيا يصيبها ، وحق الجهاد أن يخلص النفس من أدران الهوى ، وإرادة إراقة الدماء ، وأن يجاهد المقاتل نفسه أولا ، فيقيها عن شهواتها ، ويبعد عنها نزغات الشيطان ، وأن يجاهد للحق ورفعته ، ويكون الجهاد أحيانا أمام الحكام الغاشمين ، ولقد قال النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم :
« أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » « 2 » ، وإذا قتله يكون خير الشهداء .
هامش
( 1 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وعن أبي هريرة ، عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها ، فلم تطعمها ، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض » . رواه البخاري : ( 3248 ) ، ومسلم ( 6931 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
( 2 ) سبق تخريجه .