تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5028

مساهمون:

ص٥٠٢٨
إن حال هؤلاء الذين يعبدون من دون اللّه ما لا دليل عندهم يسوغ عبادته إلا أن تكون الأوهام التي تضلل الأفهام - من شأنهم ألا يستمعوا إلى الحق ، بل يعرضون عنه إعراضا ؛ ولذا قال عزّ من قائل :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ
الآيات هنا آيات القرآن المنكرة فإذا تتلى عليهم تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر - يصح أن يفسر المنكر هنا بالإنكار ويكون من قبيل المصدر الميمى ، كالمكرم بمعنى الإكرام ، وتكون معرفة الإنكار من الوجوه بالتهجم ، والغيظ ، ويصح أن يكون المنكر هو حال وجوههم من التغيظ والبسور ، والاستفظاع ، وسميت هذه الحال ،
الْمُنْكَرَ
؛ لأنها في ذاتها أمر منكر ، إذ لا يتلقون الحق بالتفهم والتدبر ، بل يبادرون برده ردا عنيفا مستكبرين ، قد غلظت أعناقهم ، وتجهمت وجوههم
يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا
السطو : الوثب للفتك بالذين يتلون ، كما حاولوا أن يسطو بأبى بكر الصديق ، وكما حاول الجاهلون بالسطو على المستضعفين من المؤمنين ، وقال تعالى :
يَكادُونَ يَسْطُونَ
، مع أنهم سطوا بالفعل ، ونقول : إن ذلك حكم عام ، والسطو الفعلي كان من بعضهم ، لا من جميعهم ، وما كان من التلاوة فقط ، بل كان من اعتناقهم الإسلام مع هذه التلاوة ، فالمقاربة بالنسبة لجميعهم ، لا بالنسبة لبعضهم . وقد أمر اللّه تعالى نبيه الكريم أن يقول لهم :
قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
، الإنباء الإخبار بأخبار خطيرة لا تسرهم بل تضرهم ، والتنبيء كالإنباء بيد أن اللفظ ينبئ عن خطر ما تضمنه ، و « الفاء » في
أَ فَأُنَبِّئُكُمْ
فاء الإفصاح عن شرط ، تقديره مثلا أإذا كنتم تتجهمون من التلاوة أفأنبئكم بشر من هذه التلاوة ، وهذا نوع من التهكم بهم وإنذارهم بالإنذار الشديد ، والعقاب العتيد ، وبيان لمقابلة التهجم من القرآن والإعراض عنه بأنه يستقبلهم بما يوجب الغيظ والتجهم ، والبسور أشد وأفظع ، وهو النار أنذر اللّه تعالى بها الذين كفروا ، وعبر بالموصول للإشارة إلى أن الصلة وهي الكفر ، والإعراض عن الآيات البينات ( هي سبب الحكم ) ، وإنها نار لا نهاية لعذابها ، بل