تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4855

مساهمون:

ص٤٨٥٥
هذا كلام موصول لبطلان الشركاء لله تعالى ببيان إبداعه في خلقه ، سواء أكان أولئك الشركاء المزعومون أحجارا أم تماثيل أم أوثانا ، أم ادّعوا أن الله بديع السماوات والأرض اتخذهم أبناء ، وذلك البطلان ببيان عظمة خلقه .
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً
« الواو » عاطفة ، وتقدمها الاستفهام ، وتقدير القول : وألم ير الذين كفروا ، والاستفهام له الصدارة دائما ، والاستفهام لإنكار الوقوع أي أنهم لم يروا وكان حقهم أن يروا ، والرؤية ليست رؤية البصر ، ولكن رؤية العلم والبصر والإدراك ؛ لأن أحدا لا يرى السماوات والأرض رتقا ، والرتق : الضم والالتحام خلقة كان أو صنيعة ، وقد قال الأصفهاني في مفرداته : كانتا رتقا أي منضمتين ، والمتتبع لآيات القرآن في بيان خلق السماوات يرى أن النصوص تتضافر على أنهما كانتا شيئا واحدا كان كالدخان ، أو هو ما يعبر عنه علماء الكون بالسديم ، لأنه مثل الدخان ، وقد ذكرت شيئا مثل ذلك في تفسير ستة الأيام التي جاءت في عدة سور ، وقلنا إنها ستة أدوار ، وليست ستة أيام زمنية ؛ لأن الأيام مقدرة بالليل والنهار وهما كانا بعد خلق السماوات والكواكب والنجوم والشمس والقمر ، واقرأ قوله تعالى :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
( 12 ) [ فصلت ] . فإن هذه الآيات تشير إلى أن السماوات والأرض كانتا شيئا واحدا ، وكانت السماء ومعها الأرض دخانا ، وهو ليس الدخان الذي نعرفه ؛ لأن الدخان الذي نعرفه هو الناتج من اشتعال نار من حطب أو نحوه من أي حطام ، وما كان ذلك قبل السماء والأرض ، فإذا قلنا إنه الذي سماه علماء الكون السديم ، لا نكون مباعدين ، بل نكون مقربين غير مدعين على القرآن ما ليس فيه ، وتكون الأرض قد
زهرة التفاسير — صفحة 4855 | محمد أبو زهرة