وقد ذكر سبحانه وتعالى حالهم فقال عزّ من قائل :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
وذكر سبحانه وتعالى هذا الوصف لهم ، للإشارة إلى أنهم من الله بمنزلة من الطاعة ، كمنزلة العبيد من مالكهم ، لا يسبقونه في أمر من أمور الشريعة أو الخلق والتكوين أو القول ، بل هم تابعون خاضعون ، ليس قول مع قوله سبحانه ، فلا يتقدمون أمامه ، وقالوا : إن
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ
في مؤدى لا يسبق قولهم قوله ، أي لا يقولون قولا ، بل قولهم دائما مسبوق بإرادة الله سبحانه وتعالى ، وليس لهم أن يتقدموا بأمر ، ثم قال تعالى في بيان خضوعهم :
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
وتقديم الجار والمجرور لإفادة الاختصاص ، والمعنى بأمره وحده لا بأمر غيره يعملون ، وفي ذلك تعريض ببطلان ما يفعله المشركون إذ يفرضون لآلهتهم المزعومة مطالب يؤدونها ، وذلك من أوهامهم .
ويبين سبحانه وتعالى أنهم في قبضة يده يعلم حالهم في حاضرهم وماضيهم فيقول سبحانه :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
.
ذكر الله تعالى أنهم في قبضته ، وهو عالم بكل أحوالهم
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
، وهذا يكنى به عن حاضرهم ؛ لأنه بين أيديهم يفعلونه ويدورون فيه تحت سلطان إرادته ، وعلى مقتضى علمه ، وجميع ما يفعلون وما يفكرون تحت عين الله وفي رقابته
وَما خَلْفَهُمْ
ويعلم سبحانه ما هو خلف أعمالهم ، أي ما يجئ في المستقبل ، فهو يعلم حالهم في حاضرهم وفي قابلهم الذي يخلف حاضرهم ، فهم في سلطان الله تعالى مع تقريبهم وتفضيلهم وتكريمهم . وليس ذلك شأن من يتخذه ولدا ، بل هو شأن من يكون من عباده .
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
أي لا يشفعون لأحد إلا إذا كان مرتضى لله ، ورضى الله أن يشفع كما قال تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
( 255 )