تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4851

مساهمون:

ص٤٨٥١
إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
بيان أن هذا التوحيد هو أمر من الله ، ووحى من عنده ، والعرب يعرفون الله تعالى بأنه الخالق الذي يلجئون إليه في شدائدهم ، ولا يعرفون غيره إذا أحيط بهم ، فهو الذي أمرهم بالتوحيد على لسان كل الرسل :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
، الضمير « أنا » في محل رفع ؛ ولذا جاء بضمير الرفع ، وقوله تعالى
فَاعْبُدُونِ
« الفاء » تفيد أن ما بعدها مسبب على ما قبلها ، فإذا كان لا إله إلا هو فلا يعبد غيره ، ولا يعد قد عبد الله تعالى إلا إذا عبده وحده ، فالإشراك على أي صورة من صوره ليس فيه عبادة لله تعالى . ولقد بين سبحانه وتعالى بطلان الذين يعبدون الأشخاص ، كما بين بطلان عبادة الذين يعبدون الأوثان ، فإن الجميع مشركون في العبادة ، بيد أن الذين يعبدون الأشخاص يسرفون على أنفسهم فيدعون أنهم أبناء الله :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
. قائل هذا بعض المشركين والنصارى منهم ؛ لأن ذلك إشراك في العبادة لا مرية ، وقالوا إن الله - تعالى عما يقولون - اتخذ المسيح ابنا له ، كما قال تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ . . .
( 30 ) [ التوبة ] . وطائفة من العرب قيل إنهم من خزاعة قالوا الملائكة بنات الله ، ولقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 101 ) [ الأنعام ] . وقوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
أي جعل له ولدا ، وكلامهم ينبنى عن احتياجه سبحانه إلى ولد ؛ لأن الاتخاذ لا يكون إلا عن حاجة ، وقوله تعالى :
سُبْحانَهُ
أي تنزه وتقدس عن ذلك
بَلْ
إضراب وردّ لقولهم ،
عِبادٌ مُكْرَمُونَ
، أي كرمهم الله تعالى وهم عباده ، فعيسى عبد لله ، ولا يستنكف أن يكون عبدا ، والملائكة المقربون لا يستنكفون أن يكونوا عبيدا له .