ثم انتقلوا من هذا الادعاء إلى ادعاء آخر أوغل منه في الرد في زعمهم ، فقالوا
بَلِ افْتَراهُ
، أي اخترعه من عنده اختراعا فهو قول مفترى ، وهذا هو لب تكذيبهم ، وإن لم يقصدوا إليه ابتداء ، فهم مكذبون له في كل الأحوال ، ثم انتقلوا إلى ادعاء أنه قول ساحر ، ولم يقولوا إنه شعر لأنهم يعلمون الشعر في حقيقته ، ويفرقون بذوقهم البياني بين القرآن والشعر ولقد ادعوا أن محمدا شاعر ، وأنه من أفانينه ، وإن لم يكن شعرا ، والشاعر يتفنن في القول نثرا أو سجعا أو شعرا ، وكل هذا باطل ، وذلك التردد في القول دليل على حيرتهم في الرد ، ودليل على لجاجتهم في الجحود ، فقالوا مرة : ساحر ، ومرة : أضغاث أحلام ، ومرة : افتراه ، ومرة : إنه شاعر .
وهنا يجئ سؤال : أليسوا في كل أقوالهم يدعون الافتراء ، فلما ذا خص الافتراء بالذكر ؟ ونقول إنهم في الثلاثة الأخر غير الافتراء يتكلمون في النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الافتراء يتجهون إلى القرآن نفسه ، ولقد قال في ذلك الإمام الزمخشري : « هم أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم إلى أنه كلام يفترى ، ثم إلى أنه قول شاعر ، وهكذا الباطل لجلج والمبطل متحير ، رجّاع غير ثابت على قول واحد ، ويجوز أنه يكون تنزيلا من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد ، وأن قولهم الثاني أفسد من الأول ، والثالث أفسد من الثاني ، والرابع أفسد من الثالث » .
وهذا الذي اخترناه ، ونحن رأينا ابتداء أن هذه الإضرابات الانتقالية حكاية من الله تعالى لغيهم .
وخلاصة أقوالهم أنهم لا يعدون القرآن آية دالة على أنه رسول من عند الله ؛ ولذا طلبوا آية حسية كالأنبياء السابقين فقال :
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
« الفاء » لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي فرتب على جحودهم بالقرآن آية ، قولهم : ليأتنا بآية حسية باهرة قاهرة حسية ، كما أرسل الأولون بآيات حسية ، التشبيه بين ما يريدون من آيات وآيات الرسل الأولين .