أرسله وكل كيد له هو لتعويق الرسالة فهو حافظه وكالئه ، وهو الذي يحمى الذين اتبعوه عن فتنة القول الذي يدبره هؤلاء المشركون .
قالَ رَبِّي
الذي أرسلني ويقوم على حماية رسالتي
يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
والقول يشمل السر والجهر ، وهو يفيد عموم علم الله تعالى لكل قول خفى أو جهير ، في سر أو في علن ، وهو راد كيدهم في نحورهم ومبطل تدبيرهم ، وذكر
السَّماءِ وَالْأَرْضِ
لعموم علمه بكل قول سواء أكان من ملك كريم أم كان من شيطان رجيم ، فهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، وختم سبحانه وتعالى الآية بوصفه سبحانه بوصف الكمال ، بقوله تعالى :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أي أنه يعلم الأقوال كلها جهرها وسرها ، وهو محيط بعلمه بكل شئ وذكر
السَّمِيعُ
لأن موضوع العلم في الآية القول الذي دبروا به كيدهم ، وما كيدهم إلا في ضلال ، وقال تعالى عما دبروا من قول يصدون به من آمنوا عن سبيل الحق :
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
.
بَلْ
هنا للإضراب الانتقالى ؛ ينتقلون بقولهم من فرية إلى فرية يحسبونها أقوى صدّا ، ثم إلى أقوى منها ، انتقلوا من فرية السحر إلى فرية أضغاث الأحلام إلى فرية أنه افتراه على الله إلى فرية أنه شاعر ، ثم ينتهون إلى أنهم لا يرضون بهذه الآية الدالة على أنه مرسل من عند الله ، كالآيات التي كانت للأنبياء السابقين من المعجزات الحسية كالعصى وإبراء الأكمة والأبرص ، و « الأضغاث » جمع « ضغث » ، وهو القبضة من الريحان والحشيش أو الحطب أو قضبان النبات ، كما قال تعالى :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ . . .
( 44 ) [ ص ] ، وشبهت بها الأحلام المختلطة التي لا تتبين حقائقها ولا تستبين عند الحالم . انتقلوا من ادعاء أن القرآن سحر ساحر إلى أنه تخاليط أحلام سيطرت على عقل النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ هي أخلاط ، كالأحلام ليس فيها حق يدرك .